الشركات الناشئة التونسية: إمكانات محدودة بسبب ضرورة إعادة التفكير في المنظومة

6 Min Lire

تأسيس شركة ناشئة في تونس؟ الفكرة تجذب العديد من الشباب، لكن التجربة غالبًا ما تكون مليئة بالعقبات. بين البطء الإداري، نقص التمويل، صعوبات التصدير، تكافح الشركات الناشئة التونسية لتطوير إمكاناتها الكاملة. تكشف دراسة حديثة عن معوقات النظام وتقترح مسارات عملية لتحويل المنظومة البيئية لريادة الأعمال.

في السنوات الأخيرة، أصبح للشركات الناشئة حضور متزايد في المشهد الاقتصادي العالمي. وفي تونس، أثارت مبادرة “Startup Tunisia” الكثير من الآمال، مدعومة بإجراءات طموحة: قانون “Startup Act”، الدعم المالي، المزايا الضريبية، والتوجيه والمرافقة. وفي عام 2024، تم اعتماد أكثر من 1000 شركة ناشئة، معظمها في قطاع الخدمات الرقمية.

لكن خلف هذه الأرقام الواعدة، يبدو أن الديناميكية بدأت تفقد زخمها. عدد أقل من الشركات الناشئة تم تأسيسها في السنوات الأخيرة، وفقدان الجاذبية على المستوى الدولي… لفهم هذا الوضع، أُجريت دراسة نوعية مع مؤسسي الشركات الناشئة التونسية، مكملة بمقابلات مع مسؤولين عموميين. والنتيجة واضحة: الطموحات موجودة، لكن النظام البيئي يجد صعوبة في مواكبتها.

بيئة لا تزال متشددة جدًا بالنسبة للشركات الناشئة

أول العقبات المذكورة تتعلق بمناخ الأعمال. إذ تُعتبر الإجراءات الإدارية طويلة ومعقدة، وأحيانًا غير متسقة من وزارة إلى أخرى. أما المنصات المخصصة لتسهيل هذه الإجراءات فهي قليلة الفاعلية. والنتيجة: يضيع المؤسسون وقتًا ثمينًا في التنقل ضمن البيروقراطية.

نقطة سلبية أخرى تكمن في الإطار التنظيمي. فالقوانين المصممة للشركات الكبرى ما زالت تُطبق على الشركات الناشئة. وهذا يشمل شركات “FinTech”، التي تواجه متطلبات مالية صعبة التحقيق. حتى الأدوات المفترض أن تساعد على الابتكار، مثل الـ “sandbox” لاختبار المشاريع في ظروف واقعية، متوقفة عن العمل.

إضافة إلى ذلك، هناك نقص في الأسواق المحلية. تواجه الشركات الناشئة عملاء غير مستعدين لدفع السعر العادل مقابل منتجات مبتكرة، أو تتنافس مع فاعلين في السوق الموازية. كما تفاقم التأخيرات في دفع مستحقات العقود العمومية الوضع. والأهم من ذلك، هناك نقص في الجسور بين الشركات الناشئة وبقية الفاعلين الاقتصاديين: فـ 70٪ من الشركات التونسية لا تربطها أي علاقة بها.

وأخيرًا، تزيد حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي من صعوبة وضع التوقعات. كما أن هجرة الكفاءات إلى الخارج تحرم الشركات الناشئة من الموارد البشرية المؤهلة، الضرورية لنجاحها.

الدعم العمومي: مفيد لكنه غير كافٍ

أتاح قانون الشركات الناشئة (“Startup Act”)، الذي أُطلق في 2018، للعديد من الشركات الناشئة الاستفادة من إجازات، وإعفاءات ضريبية، أو منح مالية. لكن المؤسسون الذين شملتهم الاستطلاعات متفقون على أن هذه الإجراءات بحاجة إلى تعديل.

ولا يزال الوصول إلى التمويل، بشكل خاص، صعبًا. فإجراءات جمع الأموال طويلة، وغير مناسبة لدرجة الاستعجال التي تتطلبها الاحتياجات. واضطر بعض أصحاب المشاريع إلى تمويل أنفسهم بأنفسهم، لغياب الدعم المصرفي أو رأس المال المغامر.

كما تفتقر الإجراءات إلى الشفافية. فقد انتقدت الشركات الناشئة غموض معايير اختيار التمويلات العامة، خاصة تلك التي تُدار عبر Smart Capital.

أما التمويل الجماعي (Crowdfunding) الذي يُنظر إليه كحل واعد، فيخضع لإطار تنظيمي صارم جدًا: حيث تُعالج التبرعات، والقروض، والاستثمارات الرأسمالية بشكل منفصل من قبل جهات مختلفة، مما يعقد استخدامها.

حتى جلسات العرض (Pitch) تُعتبر قصيرة جدًا لإقناع المستثمرين، مما يترك مساحة قليلة للتفاعل والحوار.

أما بالنسبة للحاضنات والمسرّعات، فتنقسم الآراء. فبعضها يقدم دعمًا استراتيجيًا حقيقيًا، بينما يُنتقد البعض الآخر لبطء استجابته، خصوصًا في الجهات الداخلية حيث الوصول إلى هذه الهياكل محدود.

التصدير؟ طموح لا يزال صعب التحقيق

يظل التوجه نحو الخارج مغريًا، لكنه يواجه صعوبات كبيرة. فحوالي 74٪ من الشركات الناشئة المستطلعة لم تصدر بعد، رغم أن الغالبية ترغب في ذلك. وهناك عدة معوقات: نقص الموارد، تنظيم صارم لتحويل العملات، صعوبة الوصول إلى المهام التجارية (مكلفة وإجرائياً معقدة). كما تفتقر الشركات الناشئة إلى شبكات تواصل بين المصدرين وبرامج دعم مناسبة.

أما بالنسبة للشركات الناشئة التي تعمل بالفعل على الأسواق الخارجية، فالتحديات لا تقل صعوبة: الوصول إلى التمويل، تقلبات العملات، مشاكل لوجستية، وتعقيد القوانين الدولية. كما تشكل التسويق، والتواصل، والحواجز الثقافية والقانونية عوائق إضافية.

ما هي المسارات الممكنة لإحداث تغيير جذري؟

لإطلاق الطاقة الريادية في البلاد بشكل كامل، يمكن تفعيل عدة أدوات عمل على صعيد السياسات العمومية، والإطار التنظيمي، وديناميكيات الدعم:

  • إنشاء مكتب موحد لتبسيط جميع الإجراءات.
  • تخفيف القيود القانونية على التمويل الجماعي (Crowdfunding) وتعزيز تعبئة الطاقات من الجالية التونسية بالخارج.
  • ضمان مزيد من الشفافية في التمويلات العامة وخلق هيئات تحكيم لحل النزاعات.
  • تحديث قانون صرف العملات لتسهيل الاستثمارات الأجنبية والمدفوعات الدولية.
  • تشجيع التكامل بين الجامعات والبحث العلمي والشركات الناشئة، خصوصًا في قطاع “FinTechs”.
  • الاستلهام من تجربة إستونيا في إنشاء الإقامة الرقمية أو من البرتغال مع تأشيرة الرحالة الرقميين.
  • وضع برنامج لدعم التصدير بالتنسيق مع

إن ريادة الأعمال المبتكرة في تونس حية ونشطة، لكنها تعمل ضمن إطار لا يزال جامدًا جدًا، وأحيانًا غير متوافق مع احتياجاتها. ولكي تتمكن الشركات الناشئة من المساهمة فعليًا في النمو وخلق فرص العمل، فإنه من الضروري إعادة النظر في المنظومة بأكملها. ويتطلب ذلك تنسيقًا بين الدولة، والمستثمرين، والجامعات، وحتى التونسيين في الخارج. تونس تمتلك المواهب، والأفكار، والطاقة؛ وما تبقى هو توفير أرضية مناسبة لتحقيق هذه الطاقات.

FNF–  مؤسسة فريدريش ناومان من أجل  الحرية 

للاطلاع على الدراسة

“Startups tunisiennes et climat d’investissement : une étude qualitative exploratoire”, منشورة في ديسمبر 2024 من قبل مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *