الركود التضخمي في تونس: مثلث اقتصادي محاصر

5 Min Lire

في اقتصاد سليم، من المفترض أن تتطور بعض المؤشرات بانسجام: فزيادة النمو تؤدي إلى انخفاض البطالة، والتضخم المعتدل يدعم النشاط الاقتصادي، وسرعة جيدة في خلق فرص العمل تعزز الاستهلاك. نظريًا، كل شيء يسير بسلاسة.

في تونس، تبدو آليات الاقتصاد مختلة. على مدى سنوات عدة، تتسارع الأسعار، وتظل البطالة مرتفعة، في حين يتعثر النمو الاقتصادي. هذا الخلل ليس مجرد حادث عابر، بل هو ظاهرة اقتصادية تتميز بارتفاع التضخم والبطالة معًا، بينما يظل النمو ضعيفًا، كما يوضح البحث بعنوان معضلة التضخم والبطالة والنمو الاقتصادي في تونس» المنشور في Journal of Business and Econometrics Studies للباحثين إمنة بوزياني وناصر بن زينة. بعبارة أخرى، حتى عندما يتحرك الاقتصاد، لا تصل فوائده الحقيقية إلى المواطنين، وقد أصبح هذا الخلل مستقرًا على المدى الطويل.

أسباب تعثر الاقتصاد التونسي

خلف هذا المثلث المحاصر تكمن آلية معقدة أكثر من التصورات المبسطة. في تونس، العلاقات التقليدية بين النمو والتضخم والبطالة لا تعمل كما هو متوقع.

على المدى الطويل، يبدو أن التضخم له تأثير إيجابي محدود على النمو، لكنه فعال فقط حتى حد معين. فارتفاع الأسعار المعتدل قد يحفز النشاط الاقتصادي قليلًا، خاصة إذا جاء متزامنًا مع انتعاش اقتصادي.

ومع ذلك، إذا تجاوز التضخم مستوىً حرجًا، تنقلب آثاره السلبية: تضعف القدرة الشرائية، ويتراجع الاستثمار، ويزداد عدم اليقين الاقتصادي.

أما البطالة، فلا تتراجع بالضرورة مع تحسن النمو. فقد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي دون أن يُحدث زيادة فعلية في فرص العمل. وهذا يدحض الفكرة القائلة بأن مجرد تحريك عجلة الاقتصاد يكفي لتعميم الفوائد على الجميع.

على المدى القصير، تكون التأثيرات أكثر وضوحًا: ارتفاع البطالة يُبطئ النشاط الاقتصادي فورًا، بينما التضخم المفرط يثقل كاهل الأسر كما الشركات.

عندما يؤدي ارتفاع التضخم والبطالة إلى اختلال التوازن الاقتصادي

استنادًا إلى الدراسة بعنوان: “Inflation-Unemployment Dilemma and Economic Growth in Tunisia”، المنشورة في Journal of Business and Econometrics Studies، والمنجزة من قبل إمنة بوزياني (المعهد الجامعي للتكنولوجيا بإيفرو – NIMEC، فرنسا) وناصر بن زينة (كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس – LARIDIAME، جامعة صفاقس، تونس)، تُظهر البيانات التونسية أن هناك عتبات حرجة تمثل خطوطًا حمراء، يتفاقم بعدها الاختلال بدل أن يتراجع:

  • العتبة الأولى: 6,95٪ تضخم
    ← دون هذا المستوى، يمكن للاقتصاد أن يواصل النمو.

       ←أما عند تجاوزه، فيتحول التضخم إلى عامل كابح: إذ يُضعف القدرة الشرائية، ويُبطئ الاستهلاك، ويقوّض ثقة المستثمرين.

  • العتبة الثانية: +0,62٪ زيادة سنوية في البطالة
    ←تمثل هذه النسبة نقطة تحوّل، إذ يؤدي تجاوزها إلى توجّه نسبة متزايدة من السكان نحو الاقتصاد غير المنظم، غالبًا بسبب غياب البدائل.
    ←وتُفضي هذه الديناميكية إلى شكل من النمو الموازي، لكنه نمو هشّ، غير منظم، وضعيف الجدوى على المدى الطويل.

النتيجة: حتى عندما يكون هناك بعض النمو، فإنه لا يعود بالنفع على الجميع، وغالبًا ما يستند إلى قواعد هشة أو غير مرئية.

كسر الحلقة المفرغة: أي مسارات عملية؟

في مواجهة هذه الآلية الاقتصادية المختلة، يقترح مؤلفو المقال البحثي عدة مسارات لإعادة الاقتصاد التونسي إلى أسس أكثر صلابة:

  • ضبط التضخم دون خنقه: لا يعني ذلك السعي إلى تضخم صفري، بل احتواؤه تحت مستوى 7% للحفاظ على القدرة الشرائية مع دعم النشاط الاقتصادي. ويشمل ذلك:
    1. سياسة نقدية حذرة،
    2. تنظيم أسعار المواد الأساسية،
    3. دعم الإنتاج المحلي لتجنب النقص.
  • توجيه الاستثمارات نحو الاقتصاد الحقيقي: لكي تكون الاستثمارات مفيدة، يجب أن تخلق فرص عمل وتعزز الإنتاج. ويتطلب ذلك:
    1. تسهيل الوصول إلى التمويل،
    2. اعتماد نظام ضريبي مستقر ومتوقع،
    3. دعم القطاعات الواعدة مثل: الزراعة، الصناعة، الاقتصاد الرقمي، والتحول البيئي.
  • دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجيًا: يظل القطاع غير الرسمي ملاذًا للعديد من التونسيين المستبعدين من السوق الرسمي. لا ينبغي رفضه، بل مرافقته نحو التنظيم الرسمي عبر:
    1. أنظمة ضريبية مبسطة،
    2. توفير الحماية الاجتماعية،
    3. تقديم دعم إداري قريب من الميدان.
  • إعادة التفكير في منظومة التكوين لتلبية احتياجات السوق: يرتبط بطالة الشباب غالبًا بالفجوة بين العرض التعليمي واحتياجات الشركات. لذلك يجب:
    1. تقريب المدارس ومراكز التكوين من أصحاب العمل،
    2. تطوير المهارات التقنية والرقمية،
    3. تعزيز قيمة التكوين المهني والتعلم عبر الممارسة.

 الخروج من المأزق مسألة اختيار
ليست حالة الركود التضخمي قدرًا محتومًا. فهي تكشف عن اختلال في الأداء، حيث لم تعد عناصر النمو والتضخم والتشغيل تعمل كرافعات متكاملة.

الأولويات واضحة:

  • التحكم في التضخم،
  • تعزيز نمو يخلق فرص عمل رسمية،
  • إدماج أفضل للاقتصاد غير المنظم،
  • ومواءمة التكوين مع الحاجيات الحقيقية للسوق.

هذه التحديات ليست تقنية فقط، بل تمسّ جودة الحياة، وكرامة العمل، وقدرة البلاد على استعادة مسار تنموي أكثر استقرارًا وشمولًا واستدامة. إن فهم هذه الآليات بشكل أفضل يُعدّ خطوة أولى نحو الخروج من هذا الوضع.

ايكوتوس

للاطلاع على المقال العلمي

معضلة التضخم والبطالة والنمو الاقتصادي في تونس"، منشور في مجلة Journal of Business and Econometrics Studies (ISSN: 3049-7159).

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *