الرافعة المالية: كيف تستثمر الشركات التونسية دون تعريض نفسها للمخاطر؟

5 Min Lire

تخيّلوا شركةً كأنها قارب شراعي: للتقدّم بسرعة أكبر، يمكنها الاعتماد على أشرعتها الخاصة أو إضافة محرّك — أي اللجوء إلى الدَّين. لكن كيف تُقرّر الشركات التونسية متى تقترض؟ تكشف دراسة حديثة حول شركات مُدرجة في البورصة عن العوامل الرئيسية التي توجّه خياراتها المالية.

هذا ما توضحه دراسة بعنوان محددات الرافعة المالية في الشركات التونسية المدرجة، نُشرت في المجلة الدولية للاقتصاد وإدارة الأعمال (المجلد 23، العدد 1، سنة 2025، الصفحات 109-121)، وأعدّها محمد أيمن بن موسى، دكتور في المالية بجامعة تونس المنار، وعادل بوبكر، أستاذ المالية بالجامعة نفسها. وبالاعتماد على تحليل 30 شركة تونسية مدرجة في البورصة خلال الفترة 2016-2023، حدّد الباحثان العوامل التي تؤثر في قرارات التداين لدى الشركات.

تشير الرافعة المالية ببساطة إلى الكيفية التي تستخدم بها الشركة الدَّين لتمويل استثماراتها ودعم نموّها. فالإفراط في الديون قد يزيد من المخاطر المالية، في حين أن التقليل منها قد يحدّ من التطوّر ويُفوّت بعض الفرص. وبالتالي، فإن المسألة تتعلّق بتحقيق توازن دقيق.

وتُبيّن الدراسة أن عدّة عناصر تحدّد هذا التوازن، من بينها: ربحية الشركة، حجمها، مستوى رسملتها، إضافة إلى البيئة الاقتصادية، ولا سيما النموّ والتضخّم.

عندما تقلّل الربحية من الحاجة إلى الاقتراض

عادةً ما تحتاج الشركات الأكثر ربحية إلى الاقتراض بدرجة أقل. ويمكن قياس هذه الربحية من خلال مؤشرين رئيسيين: العائد على الأصول (ROA) والعائد على حقوق الملكية (ROE). فكلّما ارتفعت هذه المؤشرات، ازدادت قدرة الشركة على تمويل مشاريعها اعتمادًا على مواردها الذاتية.

وبعبارة أخرى، عندما تُحقّق الشركة أرباحًا كافية، يمكنها الاستثمار دون الحاجة إلى اللجوء إلى القروض. وهذا ما تؤكّده الدراسة، حيث تُفضّل أغلب الشركات التونسية المشمولة بالدراسة الاعتماد أولًا على مواردها الداخلية قبل التفكير في التداين.

ويتماشى هذا السلوك مع منطق معروف في علم المالية يُسمّى نظرية ترتيب مصادر التمويل (Pecking Order)، حيث تعتمد الشركات في البداية على أموالها الذاتية، ثم تلجأ إلى الدَّين عند الحاجة، ولا تلجأ إلى إصدار الأسهم إلا كخيار أخير.

الشركات الكبرى تقترض بسهولة أكبر

يلعب حجم الشركة دورًا مهمًا في إمكانية الحصول على التمويل. فالشركات الكبرى تتمتّع عادةً بسمعة أكثر رسوخًا، وأصول أكبر، وضمانات أكثر مصداقية لدى البنوك والمستثمرين.

وتُظهر الدراسة أنّ الشركات الأكبر حجمًا والأكثر رسملة تميل إلى استخدام الدَّين بدرجة أكبر، إذ غالبًا ما يكون لديها عدد أكبر من المشاريع التي تتطلّب التمويل، كما تمتلك الموارد الكافية لإدارة التزاماتها المالية.

في المقابل، تعتمد الشركات الصغيرة أو ذات الرسملة الضعيفة نهجًا أكثر حذرًا، وتُقلّل عادةً من لجوئها إلى التداين.

كما تؤثّر الأوضاع الاقتصادية بدورها في القرارات

لا تعتمد الخيارات المالية للشركات على خصائصها الداخلية فقط، بل يلعب السياق الاقتصادي دورًا حاسمًا أيضًا. فعندما يكون النمو الاقتصادي قويًا، تميل الشركات إلى الاقتراض بدرجة أكبر لتمويل استثماراتها والاستفادة من فرص التوسع. وفي مناخ اقتصادي ملائم، تُشجّع آفاق الربحية على تحمّل قدر أكبر من المخاطر.

في المقابل، عندما يرتفع التضخّم، تصبح تكاليف الاقتراض أعلى، ما يدفع الشركات إلى تفضيل خفض مستوى مديونيتها للحدّ من المخاطر المالية. وبذلك، تقوم الشركات التونسية بتكييف استراتيجياتها في التداين وفقًا للظرف الاقتصادي: فهي تزيد من الاقتراض عندما تكون الآفاق إيجابية، وتتبنّى مزيدًا من الحذر عندما يصبح المحيط الاقتصادي غير مستقر.

تظلّ الرافعة المالية أداة استراتيجية أساسية بالنسبة إلى الشركات. فحُسن استخدامها يُمكن أن يساهم في تسريع النمو وتمويل مشاريع جديدة، بينما قد يؤدّي سوء إدارتها إلى إضعاف الاستقرار المالي.

وتُبيّن دراسة محمد أيمن بن موسى وعادل بوبكر أنّ قرارات التداين لدى الشركات التونسية تقوم على توازن بين الربحية، والحجم، ومستوى الرسملة، والظروف الاقتصادية. ويساعد فهم هذه الآليات على إدراك كيفية موازنة الشركات بين الحذر والطموح في بيئة اقتصادية قد تتّسم أحيانًا بعدم الاستقرار.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة

“The Determinants of Leverage in Tunisian Listed Companies”, المنشورة في المجلة الدولية للاقتصاد وإدارة الأعمال (المجلد 23، العدد 1، سنة 2025، الصفحات 109-121)، من إعداد محمد أيمن بن موسى، دكتور في المالية بجامعة تونس المنار، وعادل بوبكر، أستاذ المالية بالجامعة نفسها.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *