الجباية – تونس: دولة يرتكز تمويلها على عدد محدود من المؤسسات

5 Min Lire

غالبًا ما يُعتقد أنّ تونس تستند إلى نسيج اقتصادي واسع ومتوازن. غير أنّ الواقع مغاير تمامًا. فقد أظهرت مذكرة صادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، بالاستناد إلى التقرير الوطني حول المؤسسة في تونس لسنة 2025، وبالأرقام، أنّ ميزانية الدولة تعتمد بدرجة كبيرة على نواة ضيّقة جدًا من المؤسسات الخاصة، وهذه النواة تشهد تقلّصًا مستمرًا سنة بعد أخرى.

ويُتداول كثيرًا رقم 824 ألف وحدة اقتصادية في تونس، ما يوحي بوجود اقتصاد كثيف وديناميكي ومنظّم. غير أنّ هذا الرقم يخفي واقعًا أكثر هشاشة. فالغالبية الساحقة من هذه “المؤسسات” لا تشغّل أيّ عامل، ولا تمارس نشاطًا منتظمًا، ولا تدفع ضرائب. وتُبرز المذكرة حقيقة قلّما يتمّ التطرّق إليها: وهي أنّ نسبة ضئيلة جدًا من القطاع الخاص هي التي تموّل فعليًا وبشكل مكثّف ميزانية الدولة التونسية، وهذه النسبة نفسها في منحى تنازلي.

رقم مضلّل وواقع أكثر ضيقًا

من بين 824 ألف وحدة مُسجّلة، لا تشغّل حوالي 88% أيّ أجير. ويتعلّق الأمر أساسًا بعمّال مستقلّين، وحرفيين، وتجار صغار ينشطون بصفة فردية. ورغم أنّهم يمارسون نشاطًا اقتصاديًا، فإنّهم لا يُشكّلون مؤسسات بالمعنى الاقتصادي الدقيق.

وبمزيد التدقيق، لا يتجاوز عدد الوحدات النشيطة فعليًا ضمن المنظومة الجبائية حوالي 170 ألف وحدة. ومن بين هذه الأخيرة، لم تقم سوى 103,756 وحدة فعلًا بإيداع تصاريحها الجبائية سنة 2024، وهو ما يمثّل تراجعًا بنسبة 8,3% مقارنة بالسنة السابقة.

وبذلك، فإنّ أقلّ من 104 آلاف مؤسسة من أصل 824 ألف وحدة مُعلنة تساهم فعليًا في تمويل ميزانية الدولة. أي أنّ العبء الحقيقي للمالية العمومية التونسية يرتكز على هذه القاعدة المحدودة، لا على مئات الآلاف من الوحدات المُدرجة في الإحصائيات. وهذا المعطى وحده كفيل بإعادة النظر في العديد من الخطابات الرسمية.

القطاع الخاص: المموّل الأوّل… والأقلّ حظًا من الاهتمام

لعلّ هذه هي الخلاصة الأكثر لفتًا للانتباه في هذه المذكرة. فعلى خلاف ما يعتقده الكثيرون، ليس الدولة هي التي تموّل نفسها، بل القطاع الخاص المنظّم هو الذي يقوم بذلك.

تُسهم المؤسسات الخاصة في المعدّل بنسبة 53% من إجمالي الموارد الجبائية للدولة، عبر ثلاث قنوات رئيسية: الضريبة على أرباح الشركات (13,24%)، والأداء على القيمة المضافة الذي يتم استخلاصه وتحويله (حوالي 28%)، والضرائب على الأجور المُقتطعة من المنبع (قرابة 11%). وبعبارة موجزة: أكثر من دينار جبائي من كلّ دينارين يأتي بشكل مباشر أو غير مباشر من مؤسسة خاصة.

ومن جهة أخرى، تمثّل هذه المؤسسات المنظّمة 43% من التشغيل النظامي، ونحو 59% من القيمة المضافة الوطنية، وما يقارب 80% من إجمالي الاستثمار. وهي بذلك تُشكّل المحرّك الحقيقي للاقتصاد التونسي، محرّك يعمل… لكنه يواجه ضغطًا متزايدًا.

في المقابل، يبدو وضع المؤسسات العمومية مختلفًا تمامًا. إذ تتلقّى من الدولة أكثر ممّا تُسهم به في مواردها، ممّا يؤدّي إلى عجز سنوي متوسّط يتجاوز 2,3 مليار دينار، أي ما يعادل حوالي 22% من إجمالي عجز الميزانية. وبذلك، يساهم القطاع الخاص، بشكل غير مباشر، في تمويل خسائر القطاع العام، وهو اختلال لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية.

حلقة هشّة تُهدّد بالانغلاق

يخفي هذا المشهد المقلق آلية أكثر إثارة للانشغال. فعدد أقلّ من المؤسسات يصرّح بضرائبه، لكنّ المؤسسات التي تبقى تتحمّل عبئًا أكبر. إذ تتزايد الضغوط الجبائية على نواة تضيق باستمرار، في حين تظلّ بقية الأنشطة ضمن دائرة الاقتصاد غير المنظّم.

وتغذّي هذه الآلية حلقة مفرغة: فكلّما ارتفع العبء الجبائي على المؤسسات المنظّمة، تراجعت جاذبية الاندماج في المنظومة الرسمية بالنسبة للآخرين. وبذلك، يستمرّ القطاع غير المنظّم، وتتقلّص القاعدة الجبائية، ويجد الملتزمون أنفسهم في نهاية المطاف يتحمّلون العبء عن الجميع. وعلى المدى الطويل، تصبح استدامة النظام الجبائي نفسه محلّ تساؤل. 

وأمام هذا التشخيص، تدعو مذكرة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى ثلاث أولويات رئيسية. أوّلًا، توسيع القاعدة الجبائية عبر تشجيع الأنشطة الصغرى على الاندماج في القطاع المنظّم، لا من خلال الإكراه، بل عبر تبسيط مسار الاندماج وجعله مجديًا. ثانيًا، دعم تطوّر المؤسسات الصغرى والمتوسطة والارتقاء بها، باعتبارها الرئة الحقيقية للتشغيل ولخلق الثروة الوطنية. ثالثًا، الحدّ من العبء المالي الذي تُثقل به المؤسسات العمومية كاهل ميزانية الدولة، بما يساهم في إعادة التوازن إلى معادلة أصبحت اليوم غير متكافئة.

وتتمثّل الرسالة الأساسية للمذكرة في طرح مباشر وواضح: ليس المطلوب من القطاع الخاص أن يساهم أكثر، بل من الدولة أن تُحسن الاعتراف بدوره، وأن تُصحّح المعطيات الإحصائية التي تُشوّه التشخيص، وأن تهيّئ شروط نظام جبائي أكثر عدالة وصلابة. فالإصلاح المبني على أرقام غير دقيقة يظلّ إصلاحًا هشّ الأسس.

IACEالمعهد العربي لرؤساء المؤسسات

للاطلاع على المذكرة:

“Le secteur privé, pilier discret mais décisif du financement de l'État tunisien”, صادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، سنة 2025.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *