التضخم في تونس: حليف أم عدو للنمو؟

4 Min Lire

التضخم حاضر في كل مكان: في سلة استهلاك الأسر، وفي ميزانيات الشركات، وفي قرارات البنوك. وفي تونس يحتفظ التضخم بهوية مزدوجة؛ إذ يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد على المدى القصير، لكنه قد يتحول إلى عامل مدمّر إذا استمر لفترة طويلة.

في شوارع تونس كما في أسواق المدن الداخلية، يعود موضوع الأسعار في معظم الأحاديث. فالأسر تلمس ذلك عند ملء سلة مشترياتها، ورواد الأعمال عند دفع تكاليف المواد الأولية، والشباب المتخرجون حديثاً عند مراقبة سوق العمل. فالتضخم ليس مفهوماً نظرياً مجرداً، بل واقعاً يومياً.

لكن ما هو تأثيره الحقيقي على الاقتصاد الوطني؟ هل يمكن أن يساهم في تعزيز النمو، أم أنه قد يخنقه؟ لفهم هذا التناقض، ينبغي أولاً العودة إلى ماهية التضخم ولماذا يمكن اعتباره أحياناً شراً لا بد منه.

التضخم: شر لا بد منه؟

بالنسبة لكثيرين، يرتبط التضخم بارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية. غير أن تأثيراته تعتمد إلى حدّ كبير على مستواه ومدى استمراره. يوضح هذا القسم هذه الظاهرة ويبيّن لماذا يمكن للتضخم المعتدل أن يلعب دوراً محفزاً.

  • على المدى القصير: يشجع الارتفاع المعتدل في الأسعار استهلاك الأسر ويدفع الشركات إلى الاستثمار، مما يساهم في تنشيط الإنتاج ودعم التشغيل.
  • على المدى الطويل: يؤدي التضخم المرتفع إلى إضعاف القدرة الشرائية، ويزيد من حالة عدم اليقين، ويحدّ من الاستثمار المنتج. وعندها تصبح الإشارات الاقتصادية أقل وضوحاً، مما يعقّد قرارات الفاعلين الاقتصاديين.

في تونس، تعمّقت هذه الازدواجية بعد سنة 2011. فقد ساهم عدم الاستقرار السياسي، والعجز في الميزانية، وتراجع قيمة الدينار في زيادة الضغوط التضخمية، مما أدى إلى تعاقب فترات من نمو هشّ وتباطؤ اقتصادي.

التضخم: بين التحفيز والعرقلة

تتجلى هذه الآثار بوضوح في تونس، حيث أبرزت التجربة الحديثة الوجهين المتناقضين للتضخم. إذ يمكن أن يؤدي التضخم دور »مسرّع مؤقت” للنشاط الاقتصادي، لكنه يتحول سريعاً إلى عائق إذا تجاوز مستوى معتدلاً.

  • المدى القصير: تستفيد الاستهلاكات والاستثمارات من تأثير تحفيزي، كما تؤثر أسعار السنة السابقة إيجابياً في النشاط الاقتصادي الحالي.
  • المدى الطويل: تتراجع القدرة الشرائية، ويزداد عدم اليقين الاقتصادي، ويتراجع الاستثمار المنتج.
  • عوامل مقيّدة: تدعم اليد العاملة النمو على المدى القصير، لكن من دون مكاسب في الإنتاجية يتلاشى هذا الأثر تدريجياً؛ كما أن البيروقراطية وسوء تخصيص الموارد يحدّان من فعالية الاستثمارات.

ما الدروس المستفادة لتونس؟

تُظهر هذه المعطيات أن التضخم قد يمنح دفعة مؤقتة للاقتصاد، لكنه ينتهي غالباً إلى أن يصبح عائقاً. ومن هنا تبرز المسألة الأساسية: كيف يمكن إدارة هذه الظاهرة للاستفادة منها دون الوقوع في آثارها السلبية؟

تتمتع تونس باقتصاد ديناميكي نسبياً قادر على تصحيح بعض الاختلالات بسرعة. غير أن هذه القدرة وحدها لا تكفي لبناء نمو مستدام. ومن أبرز الأولويات:

  • سياسات نقدية موثوقة: الحفاظ على التضخم عند مستوى معتدل.
  • انضباط مالي: تقليص العجز وتحسين توجيه الإنفاق العمومي.
  • استثمارات فعّالة: إعطاء الأولوية للمشاريع التي ترفع الإنتاجية بدلاً من المشاريع ضعيفة الجدوى.
  • رأس المال البشري والابتكار: الاستثمار في التعليم والبحث والتكنولوجيات الجديدة.

فالتضخم يؤثر في ثقة الأسر، وفي آفاق الشباب، وفي القدرة التنافسية للمؤسسات. وإذا خرج عن السيطرة، قد يحوّل جهود الإنعاش الاقتصادي إلى مجرد وهم.

التضخم إذن سلاح ذو حدّين: مفيد إذا تم التحكم فيه، ومدمّر إذا أفلت من السيطرة. وبالنسبة إلى تونس، يتمثل التحدي في إيجاد التوازن المناسب: الحفاظ على تضخم معتدل مع تنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية وترفع كفاءة الاستثمارات.

وعليه، فالتضخم ليس عدواً مطلقاً ولا حليفاً كاملاً؛ فالأمر يتوقف على مستوى التحكم فيه وعلى قدرة البلاد على مرافقة هذه الديناميكية بإصلاحات ملائمة. .

 

الأستاذ حسن السلطانيقسم إدارة الأعمال، كلية الأعمال، جامعة بيشة، المملكة العربية السعودية.

للاطلاع على الدراسة الكاملة

“Examining inflation and economic growth in Tunisia: An ARDL approach”- المنشورة في مجلة International Journal of Innovative Research and Scientific Studies، العدد 8(2) لسنة 2025، الصفحات 4366–4378.

 

 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *