منذ ثورة 2011، يتطور القطاع المصرفي التونسي على خطٍّ دقيق بين الضغوط الاقتصادية، التضخم، النمو المتذبذب والإصلاحات غير المكتملة. ومع ذلك، لا تتفاعل كل البنوك بنفس الطريقة. فبعضها يقاوم أفضل من غيره. تكشف الأرقام الواردة في الدراسة عن المحركات الحقيقية للأداء المصرفي في تونس.
يلعب النظام المصرفي دوراً مركزياً في الاقتصاد التونسي: فهو يمول الشركات، يدعم الأسر، ويرافق الاستثمار. عندما تكون البنوك قوية، يزدهر الاقتصاد؛ وعندما تتأرجح، يتأثر كل شيء آخر.
بين 1998 و2017، شهدت تونس دورات متباينة: نمو، أزمات، انتقال سياسي، تضخم، وضغوط على المالية العمومية. في هذا السياق، ما الذي يفسر فعلياً أداء البنوك التونسية؟ هل هو مسألة حجم، إدارة داخلية، صفة عامة أو خاصة؟ أم أن البيئة الاقتصادية تلعب دوراً حاسماً؟
للإجابة، أُجريت دراسة على عشرة بنوك تجارية كبرى في تونس، عامة وخاصة وبأموال أجنبية، اعتماداً على مؤشرات مالية معترف بها: العائد على الأصول (ROA)، العائد على حقوق الملكية (ROE)، وهامش الفائدة الصافي (NIM)، أي ربحية الأصول، رأس المال، وهامش الفائدة.
ما يحدث داخل البنوك هو الأساس
تظهر النتائج أن الأداء يتحدد أساساً من الداخل:
- الحجم والتنظيم: ليست البنوك الأكبر بالضرورة الأكثر ربحية. غالباً ما تحقق البنوك الأصغر نتائج أفضل بفضل انخفاض التكاليف وإدارة أكثر فعالية. أما البنوك الكبرى فقد تعاني من أعباء أعلى وقروض متعثرة مرتفعة.
- الصلابة المالية: البنوك ذات رأس المال الجيد، القادرة على امتصاص الصدمات، تحقق نتائج أفضل وتكسب ثقة المقترضين أكثر.
- ضبط التكاليف: ارتفاع نسبة التكاليف إلى الإيرادات يقلل مباشرة من الربحية. الأداء مرتبط بشكل وثيق بانضباط الإدارة.

عندما يحد السوق من الأداء
تلعب البيئة القطاعية أيضاً دوراً هاماً:
- تركيز السوق: القطاع الذي تهيمن عليه بعض البنوك الكبرى يحدّ المنافسة ويعيق الكفاءة العامة.
- حجم النظام المصرفي: توسع الأصول أو الائتمان دون تحسين الإدارة لا يؤدي تلقائياً إلى تعزيز الأداء.
توضح هذه الملاحظات أن الربحية لا تعتمد فقط على حجم النشاط، بل بشكل رئيسي على هيكلته وجودة التنظيم.
التضخم والنمو والفساد: تأثيرات غير متوقعة
تنتج بعض العوامل الاقتصادية الكلية نتائج مفاجئة:
- النمو الاقتصادي: لا يحسن الربحية بشكل تلقائي. بعض البنوك تجد صعوبة في تحويل الانتعاش الاقتصادي إلى مكاسب مالية.
- التضخم: يؤثر على هامش الفائدة، حيث لا تستطيع البنوك دائماً تعديل أسعار الفائدة بسرعة لتعويض ارتفاع الأسعار.
- الفساد: يظهر ارتباطاً إيجابياً مع ربحية الأصول في سياق محدودية المنافسة، ما يكشف عن ثغرات مؤسساتية أكثر من كونه فوائد مستدامة.

يعتمد أداء البنوك التونسية قبل كل شيء على حوكمتها الداخلية: رأس مال قوي، ضبط التكاليف، صفة خاصة وتنظيم فعال هي الركائز الأساسية للربحية. على العكس، فإن الحجم المفرط، تركيز السوق، التضخم، وبعض الثغرات المؤسسية تحدّ بشكل دائم من النتائج. توفر هذه الاستنتاجات مسارات واضحة لصانعي القرار: تعزيز الحوكمة، تحسين المنافسة، إعادة النظر في دور البنوك العامة، وتطهير الإطار المؤسسي. كلها شروط تجعل القطاع المصرفي يدعم بشكل كامل التنمية الاقتصادية في تونس.
سعاد الهمامي- دكتوراه في الاقتصاد، كلية العلوم الاقتصادية والتصرف، سوسةمنير صميدة– أستاذ الاقتصاد، كلية العلوم الاقتصادية والتصرف، سوسة
الاطلاع على الدراسة
"Analysis of internal and external factors influencing commercial banks performance: Empirical evidence from Tunisia banking sector", International Journal of Economics, Commerce and Management, mars 2022.