الاقتصاد غير المنظم في تونس: خلف الأرقام، نموذج تنموي يحتاج إلى إعادة تفكير

Ecotous
7 Min Lire

هم أكثر من مليون ونصف. يعملون يوميًا، يُنتجون، يبيعون، يبنون، يزرعون، لكنهم غير موجودين في السجلات الرسمية. لا عقود عمل، لا تقاعد، لا تغطية صحية، وفاتورة ضخمة على المالية العمومية. إن الاقتصاد غير المنظم في تونس ليس ظاهرة هامشية، بل هو واقع بنيوي، موثّق ومُقاس في تقرير مشترك لمنظمة العمل الدولية (OIT) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD)، أعدّه الاقتصادي نضال بن الشيخ.

هناك ما نراه: الأسواق النشيطة، المحلات الصغيرة في الأحياء، العمال الفلاحيون الذين يعودون مساءً دون قسائم أجر. وهناك ما لا نقيسه، أو نقيسه بشكل غير دقيق. الاقتصاد غير المنظم في تونس هو تلك المنطقة الرمادية الواسعة التي يعيش فيها مئات الآلاف خارج إطار القوانين، ليس خيارًا واعيًا في الغالب، بل لأن الاقتصاد الرسمي ببساطة لم يعد يتسع لهم.

منذ سنة 2011، توسعت هذه المنطقة الرمادية. فقد أدت الأزمة السياسية، والتباطؤ الاقتصادي، ثم جائحة كوفيد-19 إلى دفع مزيد من التونسيين نحو أنشطة غير مصرح بها. ويأتي تقرير منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي أعدّه نضال بن الشيخ، في وقته المناسب ليضع أرقامًا دقيقة على واقع كان الجميع يستشعره دون أن يُقاس بشكل فعلي

لكن عن ماذا نتحدث بالضبط؟

ما هو الاقتصاد غير المنظم؟ ليس فقط البائع المتجول أو ميكانيكي الحي. بل هو كل عمل يُمارس دون تغطية اجتماعية، ودون عقد مُصرّح به، ودون تسجيل لدى السلطات. ويشمل ذلك الأجراء غير المصرّح بهم داخل المصانع، والعمال الموسميين في القطاع الفلاحي غير المنخرطين في منظومة الضمان الاجتماعي، والمستقلين الصغار الذين يتهربون من الجباية، وحتى وحدات إنتاج كاملة تعمل خارج أي إطار قانوني.

ما هو الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة في تونس؟ إنه حجم كبير جدًا. فحسب تقرير منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (OIT-PNUD)، كان الاقتصاد غير المنظم يمثل سنة 2020 حوالي 35% من الناتج الداخلي الخام في تونس، أي أكثر من ثلث الثروة المنتجة في البلاد.

وعلى مستوى سوق الشغل، وبحسب المنهجية الأكثر شمولًا للمعهد الوطني للإحصاء، فإن 44.8% من العمال، أي أكثر من 1.5 مليون شخص، يشتغلون في ظروف غير منظمة. أما لدى العمال المستقلين، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 57.6%.

من هم هؤلاء العمال؟ هم أساسًا من الشباب. ففي فئة 15–19 سنة، يبلغ معدل العمل غير المنظم 81.4%. وفي فئة 20–24 سنة، يظل في حدود 46.5%. كما أنهم في أغلبهم رجال (49.5% مقابل 32% لدى النساء)، ويتركزون خصوصًا في الجهات الداخلية، وخاصة الوسط الغربي والشمال الغربي، حيث فرص العمل المنظم نادرة ومعدلات الفقر أعلى.

كلفة الظل على الجميع

كم تخسر الدولة فعليًا؟ يقدّر تقرير منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (OIT-PNUD) العجز الذي تتكبده الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) بما لا يقل عن 1.35 مليار دينار سنويًا، أي ما يعادل 131% من عجزه السنوي. وبصياغة أخرى: إذا التحق نصف العمال غير المنظمين فقط بالقطاع المنظم، لتمكنت CNSS من تعبئة أكثر من 3 مليارات دينار إضافية خلال خمس سنوات.

ومن الناحية الجبائية، يحرم العمل غير المنظم الدولة من ما لا يقل عن 283 مليون دينار من العائدات السنوية، وهو رقم قد يبدو أقل نسبيًا، لكنه يبقى مهمًا في سياق ضغوط مستمرة على المالية العمومية.

لكن، أليست الفئات العاملة في القطاع غير المنظم هي أولى الضحايا؟ بالتأكيد. وربما هذا هو أهم ما يبرزه التقرير. فهؤلاء العمال عالقون في قطاعات منخفضة الإنتاجية، بدخل هش، دون تقاعد، دون تأمين صحي، ودون حماية في حال وقوع حوادث. وعند حدوث أزمات مثل جائحة كوفيد-19، يكونون أول من يتضرر وأقل من يتمتع بالحماية. فالتشغيل غير المنظم ليس امتيازًا، بل هو فخ.

لماذا لا ينتقل هؤلاء العمال إلى القطاع المنظم؟ لأن الأمر أعقد من ذلك. يحدد التقرير عدة عوائق. أولها الفقر: إذ إن ارتفاع نسبة الفقر بنقطة مئوية واحدة يرفع احتمال الانخراط في الاقتصاد غير المنظم بـ 8.6 نقاط. ثانيها غياب فرص العمل الرسمية في بعض المناطق. وثالثها ما يسميه التقرير بـ”الحوافز السلبية”، حيث يفضّل بعض العمال البقاء في القطاع غير المنظم للحفاظ على المساعدات الاجتماعية. وتشير دراسة إلى أن 100% من المنتفعين النشطين ببرنامج “الأمان الاجتماعي” (Amen Social) يعملون في القطاع غير المنظم. وهكذا فإن نظام الدعم، عندما يكون غير مُوجّه بدقة، قد يثني أحيانًا عن الترسيم بدل أن يشجّعه.

ثلاث روافع للخروج من الظل

هل يمكن فعلاً الحد من الاقتصاد غير المنظم؟ نعم، لكن ليس عبر قمع من لا يملكون خيارًا آخر. يقترح تقرير منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (OIT-PNUD) استراتيجية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، مستوحاة من التوصية رقم 204 لمنظمة العمل الدولية حول الانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم.

الرّافعة الأولى: تبسيط حياة المؤسسات الصغيرة غير المنظمة من خلال تسهيل إجراءات التسجيل، وتحسين الإطار الجبائي للمستقلين الصغار، وتسريع رقمنة عمليات الرقابة لمكافحة التهرب الضريبي، وتنفيذ حملات توعوية موجهة لأصحاب المؤسسات الصغرى. يجب أن يصبح الانخراط في القطاع المنظم أكثر بساطة وأكثر فائدة من البقاء في القطاع غير المنظم.

الرّافعة الثانية: تكييف الحماية الاجتماعية مع العمال الهشّين عبر إنشاء نظام ضمان اجتماعي خاص بالعمال المتنقلين الذين يغيّرون مشغّليهم بشكل متكرر، وتخفيف شروط الانخراط بالنسبة للعمال الفلاحيين، مع توضيح ملموس لما توفره التغطية الاجتماعية من مزايا: تقاعد، رعاية صحية، وحماية في حالة الحوادث. فكثير من العمال غير المنظمين لا ينخرطون في النظام الرسمي ببساطة لأنهم لا يدركون فوائده المباشرة.

الرّافعة الثالثة، والأكثر هيكلية: خلق فرص عمل لائقة في جميع الجهات وهنا تكمن الرسالة الأساسية للتقرير: مكافحة الاقتصاد غير المنظم دون توفير بدائل حقيقية داخل الاقتصاد المنظم لن يكون فعالًا. فطالما بقيت المناطق الداخلية محرومة من الاستثمارات والمؤسسات المنظمة وفرص العمل الجيدة، فلن يكون أمام سكانها خيارات أخرى. فالتشغيل غير المنظم هو قبل كل شيء نتيجة نموذج تنموي غير متوازن، وهذا النموذج هو ما يجب تغييره.

لن يُحلّ الاقتصاد غير المنظم في تونس عبر المراسيم أو سياسات الردع. بل سيُحلّ يوم يصبح العمل في القطاع المنظم أسهل وأجدى وأكثر أمانًا من البقاء في الظل. عندها فقط، سيتمكن أكثر من مليون ونصف عامل غير مرئي من بناء مستقبل يحظى بشبكة حماية اجتماعية. وعندها أيضًا ستتمكن تونس من تعبئة الموارد التي تحتاجها بشدة.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة:

L'économie informelle en Tunisie", ©منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2022، من إعداد نضال بن الشيخ، اقتصادي ومدير مؤسسة Dala'il for Development.
متاحة على الموقعين الرسميين
 PNUD Tunisie : undp.org/fr/tunisia - l'OIT : ilo.org

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *