كل قرض تمنحه البنوك ينطوي على مخاطرة: ماذا لو لم يقم المقترض بالسداد؟ إنها مخاطرة حقيقية سبق أن تسببت في أزمات كبرى، مثل أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر (Subprime) سنة 2008. غير أن أساليب الرقابة التقليدية تجد صعوبة في استباق مثل هذه الحالات القصوى.
ولتفادي ذلك، تلجأ البنوك إلى ما يُعرف باختبارات الضغط، وهي محاكاة تهدف إلى تقييم مدى صمود محافظها المالية أمام صدمات اقتصادية محتملة. غير أن هذه النماذج تعتمد غالبًا على فرضيات ثابتة، ولا تعكس بالكامل تعقيد الواقع الاقتصادي. فالتضخم، والبطالة، وأسعار الفائدة، وسلوك السداد… كلها عوامل متداخلة ويصعب التنبؤ بها بدقة.
وقد جاءت مقاربة مستوحاة من الإحصاء البايزي لتقدّم تصورًا مختلفًا. فبدل بناء سيناريوهات افتراضية، تعمل هذه المقاربة على رصد الحالات القصوى التي قد تُعرّض البنوك للمخاطر. وبفضل هذه المنهجية، يصبح من الممكن توقّع المخاطر بشكل أكثر واقعية، وحماية الاقتصاد قبل فوات الأوان.
لماذا قد تكون اختبارات الضغط التقليدية مضلّلة؟

لفترة طويلة، كانت اختبارات الضغط بسيطة: يتم اختيار سيناريو معيّن (ارتفاع أسعار الفائدة، تراجع الإنتاج…) ثم يُقاس تأثيره على القروض. لكن هذه الطريقة تواجه محدوديتين أساسيتين:
- قد تكون السيناريوهات مفترضة وغير واقعية بما يكفي؛
- تميل النماذج إلى تبسيط العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية بشكل مفرط.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي ارتفاع التضخم إلى تغيّر في مستوى البطالة، وهو ما ينعكس بدوره على قدرة المقترضين على السداد. وغالبًا ما تعجز النماذج التقليدية عن التقاط هذه الترابطات المعقدة، مما قد يؤدي إلى التقليل من حجم المخاطر… أو المبالغة في تقديرها.
وفي القطاع البنكي، يمكن لخطأ بسيط أن تكون له تداعيات كبيرة. لذلك، يصبح من الضروري اعتماد مقاربات أكثر ملاءمة لاستباق الأزمات.
المقاربة البايزية: التعلّم من الماضي لاستشراف المستقبل
تقدّم الإحصاءات البايزية منهجية مختلفة، إذ تنطلق من المعطيات المتوفرة وتقوم بتحديث التوقعات تدريجيًا كلما توفرت معلومات جديدة. ويمكن تشبيهها بـ”ذاكرة ذكية”.
كما تغيّر هذه المقاربة طريقة إجراء اختبارات الضغط. ففيما يُعرف باختبار الضغط العكسي، بدل بناء سيناريو مفترض، يُطرح السؤال على النموذج: “ما الصدمة التي قد تضع البنك في وضعية صعبة؟”
من مزايا هذه المقاربة:
- الاستفادة من بيانات القروض غير المسددة؛
- تعديل الفرضيات حسب السياق؛
- إنتاج سيناريوهات أكثر واقعية.
ولتقريب الفكرة، يمكن تشبيه الأمر بالتنبؤات الجوية: فكلما توفرت معطيات أدق عن الماضي، أصبحت التوقعات أكثر موثوقية. وتُطبق المقاربة البايزية نفس المنطق في المجال المالي. كما تتيح لصنّاع القرار التفكير بشكل أعمق: فإلى جانب الأرقام، يتم تقييم مدى واقعية السيناريوهات والقرارات المناسبة لاتخاذها.

مثال تطبيقي في تونس
لتوضيح أهمية هذه المقاربة، قمنا بتجربتها على بنك تونسي يموّل المؤسسات الصغرى والمتوسطة. وتُعد هذه القروض ضرورية للاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه حساسة للتقلبات الاقتصادية.
ومن خلال تحليل البيانات الممتدة من 2006 إلى 2021، تمت مقارنة نموذجين: نموذج تقليدي وآخر بايزي متقدم. وكانت النتائج واضحة، حيث أظهر النموذج البايزي قدرة أفضل على التنبؤ بتطور مخاطر الائتمان.
وعند محاكاة سيناريوهات قصوى، كانت الإشارة واضحة: ففي أسوأ الحالات، قد تتأثر محفظة القروض بشكل كبير بحلول نهاية سنة 2025. وهذا لا يعني حتمية حدوث أزمة، بل يشير إلى أن بعض التوليفات الاقتصادية قد تُضعف وضعية البنك. وتُتيح المقاربة البايزية بالتالي الكشف المبكر عن نقاط ضعف لا ترصدها النماذج التقليدية.
الخلاصة
إن إدماج الإحصاء البايزي في اختبارات الضغط يوفّر رؤية أكثر واقعية وديناميكية للمخاطر، متجاوزًا حدود النماذج التقليدية، ومساعدًا البنوك على استباق الأزمات بشكل أفضل.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج بحذر، إذ تظل العوامل الاقتصادية مرتبطة أيضًا بالسياسات العامة، وتطورات الأسواق، وعوامل خارجية أخرى. لكن هذه المنهجية تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز صلابة القطاع البنكي.
كمال النوي– جامعة منوبة، المدرسة العليا للتجارة بتونس مخبر LARIMRAF LR21ES29، المركب الجامعي بمنوبة، تونس
وسيم الغضاب– جامعة منوبة، المدرسة العليا للتجارة بتونس مخبر LARIMRAF LR21ES29، المركب الجامعي بمنوبة، تونس
للاطلاع على المقال
"Stress test micro-prudentiel inversé pour la gestion du risque du crédit : Étude de cas sur l’intégration de la statistique bayésienne dans une banque tunisienne”,، منشور في Journal of Academic Finance، العدد 15، رقم 1، ربيع 2024.