تدريس ريادة الأعمال في الجامعات التونسية: ما الذي تتيحه التكوينات فعليًا وما الذي يفلت من المقاصد البيداغوجية؟

7 Min Lire

يتم سنويًا تكوين آلاف الطلبة التونسيين في مجال ريادة الأعمال. لكن هل تُحدث هذه الدروس أثرًا حقيقيًا؟ هذا هو السؤال الذي طرحته ليليا طقطق قلال، أستاذة مساعدة مؤهلة بالمدرسة العليا للتجارة بتونس (ESCT) – جامعة منوبة، مخبر THéMA، على ثلاثة عشر طالبًا من المدرسة العليا للتجارة بتونس، في إطار دراسة نوعية معمّقة نُشرت في مجلة Marché et Organisations. وتكشف إجاباتهم واقعًا بقدر ما هو مفيد، بقدر ما هو غير مريح: فدروس ريادة الأعمال لا تشبه دائمًا ما يُفترض أن تكون عليه، ومع ذلك فهي تُحدث تحولًا خفيًا لدى من يتابعها.

إن إنشاء مؤسسة، إيجاد فكرة، والانطلاق رغم عدم اليقين… كلها عبارات تثير الحماس والأحلام. وهي أيضًا موضوع دروس جامعية منذ بداية الألفية في تونس، حيث أصبح بطالة حاملي الشهادات العليا مشكلة بنيوية معقدة. وكان الهدف واضحًا: إذا لم تعد الدولة قادرة على استيعاب جميع الخريجين في الوظيفة العمومية، فلماذا لا يتم تكوين جيل من رواد الأعمال القادرين على خلق مساراتهم الخاصة؟

لكن تعليم ريادة الأعمال أكثر تعقيدًا من تدريس المحاسبة أو التسويق، لأنه يتطلب تغيير العادات، والمخاوف، وتمثلات الأفراد للعالم. وهنا تحديدًا تبدأ الصعوبات.

وتطرح دراسة نوعية أُجريت مع ثلاثة عشر طالبًا تابعوا تكوينًا أو أكثر في ريادة الأعمال بالمدرسة العليا للتجارة بتونس سؤالًا بسيطًا لكنه مُربك: هل يدرك هؤلاء الطلبة فعلًا أن هذه الدروس مختلفة عن غيرها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يتغير فعليًا في طريقة تعلمهم؟

هذه الدروس تُعتبر مفيدة… لكنها ليست مختلفة فعليًا

أول نتيجة توصلت إليها الدراسة هي أن جزءًا مهمًا من الطلبة الذين تمت مقابلتهم لا يُدرك فرقًا جوهريًا بين دروس ريادة الأعمال وبقية المواد. وينطبق ذلك على ثلاثة طلبة من الإجازة، وكذلك على عدد من طلبة الماجستير المتخصص. وبعبارة بسيطة، بالنسبة لهم، يشبه درس ريادة الأعمال أي درس آخر: أستاذ يشرح، طلبة يستمعون، ثم امتحان في النهاية.

ولماذا يحدث ذلك؟ لأن البيداغوجيا السائدة ما تزال نقلية، أي أن الأستاذ ينقل المعرفة، والطالب يقوم باسترجاعها. ما تزال الدروس الكلاسيكية الملقاة في المدرجات هي القاعدة. أما التطبيقات الميدانية، واللقاءات مع رواد أعمال، والتجارب العملية لإنشاء مشاريع، فهي نادرة جدًا أو شبه غائبة. ونتيجة لذلك، حتى في ماجستير مهني مخصص لريادة الأعمال، يجد الطلبة صعوبة في إدراك خصوصية ما يتعلمونه.

ومع ذلك – وهنا تكمن المفارقة المثيرة للاهتمام- عندما يشعر الطلبة بأن هناك فرقًا، فإن السبب يكون تقريبًا نفسه: فائدة هذه الدروس في حياتهم المهنية والشخصية. ليس المنهج البيداغوجي هو ما يجذبهم، بل المجال نفسه: ريادة الأعمال بما يحمله من مفاهيم المخاطرة، والإبداع، والفرص، والمعنى. أي أن الموضوع بحد ذاته يحمل خصوصيته، بغض النظر عن طريقة تدريسه.

ما الذي تغيّره هذه الدروس فعليًا: المهارات السلوكية أولًا

ثم حاولت الدراسة تحديد ما الذي يعتقد الطلبة أنهم اكتسبوه فعليًا من هذه التكوينات. وكانت النتائج واضحة ومطمئنة إلى حدّ ما.

الفئة الأكثر ذكرًا من التعلمات كانت مرتبطة بـ المهارات السلوكية والقدرات الشخصية المستقبلية (savoir-être وsavoir-devenir). أي ليس تقنيات إنشاء المؤسسة، ولا الأدوات المالية، بل قدرات إنسانية وسلوكية مثل: المثابرة، الثقة بالنفس، الانفتاح الذهني، العمل ضمن فريق، المبادرة، التفكير المنطقي، والقدرة على استشراف المستقبل.

تأتي بعد ذلك المعارف العامة حول ريادة الأعمال: فهم ما يعنيه أن يكون الشخص رائد أعمال، وكيف يعمل المشروع، وما هي الفرص المتاحة، إضافة إلى نوع من تنمية الاهتمام بهذا المجال. في المقابل، تبقى المهارات العملية جدًا المرتبطة بإنشاء مؤسسة اقتصادية — مثل التفاوض مع بنك، صياغة عقد، أو إطلاق شركة ناشئة حقيقية — شبه غائبة في التعلمات التي صرّح بها الطلبة. وحتى خطة العمل (Business Plan)، وهي الأداة الرمزية في هذا النوع من التكوينات، لم يذكرها سوى خمسة طلبة من أصل تسعة في الماجستير المهني.

هذا المعطى يمكن قراءته من زاويتين. من جهة، يكشف حدود تكوين ما يزال نظريًا أكثر من اللازم، وغير مرتبط بشكل كافٍ بواقع الميدان. ومن جهة أخرى، يُظهر أن حتى الدروس التقليدية في ريادة الأعمال يمكن أن تنتج أثرًا مهمًا: إذ تساهم في تطوير المهارات الناعمة (soft skills)، أي الكفاءات السلوكية والعلاقاتية، التي تحسّن قابلية التشغيل لدى الطلبة بغض النظر عن مساراتهم المهنية المستقبلية.

ما الذي يصنع الفرق فعليًا: التجربة المعيشة قبل القاعة الدراسية

من أكثر النتائج لفتًا في هذه الدراسة يتعلق بملف الطلبة الذين استفادوا أكثر من هذه التكوينات. فهم ليسوا بالضرورة أصحاب أفضل النتائج الأكاديمية، بل هم الذين دخلوا إلى الدروس بخبرة سابقة في العمل الجمعياتي، أو الأنشطة المهنية، أو المبادرات الريادية، أو أولئك الذين ينتمون إلى تخصصات بعيدة عن علوم التصرّف.

أبرز مثال في الدراسة هو لطالبة من تخصص الهندسة الطبية الحيوية، منخرطة بقوة في العمل الجمعياتي ومسابقات الابتكار. وهي التي شعرت أكثر من غيرها بخصوصية دروس ريادة الأعمال، وكانت أيضًا الأكثر استفادة منها على جميع المستويات. فقد سمح لها التكوين الريادي بإعطاء معنى لتجاربها السابقة، كما ساعدها على استكمال مهاراتها التقنية ببعد إنساني واستراتيجي إضافي.

في المقابل، فإن الطلبة الذين ينخرطون مسبقًا في منطق تعلّم “مدرسي صرف” — أي السعي وراء الشهادة، واسترجاع الدروس، ثم الانتقال إلى المادة التالية — يميلون إلى اعتبار هذه التكوينات مادة إضافية مثل غيرها، ويستفيدون منها بدرجة أقل نسبيًا.

والخلاصة هنا واضحة: لكي ينجح تكوين ريادة الأعمال فعليًا، لا يكفي إدراج دروس في البرنامج الدراسي. بل يجب أيضًا تعريض الشباب إلى تجارب واقعية ملموسة، مثل الأنشطة الجمعياتية، والتربصات، والتحديات، واللقاءات مع رواد الأعمال، وذلك قبل التكوين وأثناءه. فهذه التجارب هي التي تُحدث “الشرارة” (declic)، وتمنح معنى للمفاهيم النظرية، وتحول الدرس من مجرد معرفة أكاديمية إلى وعي حقيقي وتغيير في التصور.

لقد راهنت تونس على ريادة الأعمال كمسار مستقبلي لشبابها من حاملي الشهادات. وهو رهان وجيه. لكن لكي ينجح، يجب الذهاب أبعد من القاعات الدراسية: عبر تمييز المناهج البيداغوجية، وتكوين أساتذة قادرين على الخروج من النمط التلقيني، وفتح الجامعة على الواقع الاقتصادي الفعلي.

وفوق كل ذلك، يجب إدراك أن تكوين رائد الأعمال لا يعني تعليمه كيفية ملء خطة عمل (Business Plan)، بل مساعدته على بناء نفسه بشكل مختلف.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة

“Ce que la formation à l'entrepreneuriat n'est pas”, من إعداد طقطق قلال المدرسة العليا للتجارة بتونس – جامعة منوبة، مخبر THéMAمنشورة في مجلة Marché et Organisations (العدد 46، 2023، ص 97-140)، ومتاحة على منصة .Cairn.info 

 

 

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *