في تونس، غالبًا ما يُنظر إلى قطاع النقل باعتباره مجرد مسألة بنية تحتية. غير أنه في الواقع يعكس خيارات سياسية عميقة. فخلف كل طريق، وكل وسيلة نقل، وكل استثمار، تكمن توازنات بين النمو الاقتصادي، والحد من الفقر، والحفاظ على البيئة. وتُظهر البيانات على المدى الطويل أن هذه الخيارات ليست محايدة ولا تخلو من تبعات.
فالتنقل والعمل والتجارة والنفاذ إلى الخدمات العمومية كلها ترتبط بقطاع النقل، الذي يحتل مكانة محورية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إذ تساهم الطرق في ربط المناطق، ودعم النشاط الاقتصادي، ومواكبة التوسع العمراني. غير أن هذا الدور الاستراتيجي يرافقه كلفة غالبًا ما يتم التقليل من شأنها.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت تونس توسعًا في شبكتها الطرقية ونموًا سريعًا في أسطول السيارات. وقد ساهم هذا النموذج في تسهيل التنقل ودعم النمو الاقتصادي. لكن في المقابل، لا يزال الفقر قائمًا، مع تفاوتات جهوية واضحة، كما تواصل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن النقل ارتفاعها.
إن فهم تفاعل هذه الديناميكيات يُعد أمرًا أساسيًا. فهل يمكن للنقل أن يساهم فعليًا في الحد من الفقر؟ وهل يستفيد الجميع من النمو؟ وما هو الثمن البيئي لذلك؟ تتيح المقاربة طويلة المدى تجاوز التصورات السائدة وطرح هذه الأسئلة بشكل دقيق. وللإجابة عنها، ينبغي أولًا تحليل الدور الاقتصادي للنقل وتأثيره البيئي، وهما بعدان مترابطان بشكل وثيق في الحالة التونسية.
محرك اقتصادي قوي، لكنه عالي الانبعاثات الكربونية
يُعدّ قطاع النقل ركيزة أساسية في الاقتصاد التونسي، حيث يساهم بشكل ملحوظ في الناتج الداخلي الخام وفي التشغيل. ويهيمن النقل البري على هذا القطاع، سواء في نقل الأشخاص أو البضائع. وقد رافق هذا التفوق تطور الانفتاح الاقتصادي، ونمو المبادلات التجارية، واندماج الأسواق. غير أن هذا الاعتماد الكبير على النقل البري يقوم في معظمه على الطاقات الأحفورية. وتُظهر البيانات ارتفاعًا مستمرًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالنقل منذ سنة 1980. وفي سنة 2022، مثّل النقل البري حوالي 27٪ من إجمالي الانبعاثات الوطنية الناتجة عن احتراق الطاقات الأحفورية.
العلاقة واضحة: كلما ارتفع النشاط الاقتصادي، زادت انبعاثات قطاع النقل. وتطرح هذه الديناميكية تحديًا كبيرًا في ظل تزايد هشاشة المناخ. إذ إن النمو القائم على نموذج نقل ملوّث يُهدد التوازنات البيئية للبلاد. غير أن الأداء الاقتصادي والبيئي للقطاع لا يكفيان لفهم الصورة كاملة، إذ ينبغي أيضًا التساؤل عمّا إذا كان هذا النمو ينعكس فعلًا على تحسين ظروف عيش المواطنين أم لا.

النمو والفقر: علاقة أقل تلقائية مما نتصوّر
غالبًا ما يُقدَّم قطاع النقل كأداة مباشرة للحد من الفقر. فمن خلال تسهيل الوصول إلى فرص العمل، والأسواق، والخدمات الأساسية، يمكن أن يُساهم فعليًا في تحسين ظروف العيش. غير أن تطور الوضع في تونس على مدى عدة عقود يُظهر أن هذه العلاقة ليست بسيطة ولا تلقائية.
ففي بعض الفترات، تزامن النمو الاقتصادي مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما يدل على أن مكاسب النمو لم تُوزَّع دائمًا بشكل عادل. ولا تزال المناطق الأقل نموًا تعاني من نقص في البنية التحتية وضعف في خدمات النقل.
وتُشكّل هذه الفوارق الجهوية عبئًا كبيرًا، إذ تُعيق اندماج المناطق الداخلية في الدورة الاقتصادية وتُعمّق الفجوات في الدخل. وهكذا، قد يتحول النقل من أداة للحد من التفاوتات إلى عامل يُساهم في تكريسها، بل وحتى في تعميقها. وهنا، عند تقاطع البعدين الاجتماعي والبيئي، يبرز أحد أهم الاستنتاجات التي توصّلت إليها هذه الدراسة.
عندما يتغذّى الفقر والتلوث على بعضهما البعض
أحد أبرز نتائج التحليل يتمثل في العلاقة الوثيقة بين الفقر وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بقطاع النقل. فهذان العاملان يتطوران معًا ويؤثر كل منهما في الآخر. وغالبًا ما تكون الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تعرضًا لآثار التلوث السلبية، في حين تستفيد بدرجة أقل من العوائد الاقتصادية للنظام الحالي للنقل.
وتجعل هذه العلاقة المتبادلة عملية اتخاذ القرارات أكثر تعقيدًا. إذ إن الحد من التلوث دون مراعاة الآثار الاجتماعية قد يؤدي إلى تفاقم التفاوتات. وفي المقابل، فإن تجاهل البعد البيئي بدعوى دعم النمو قد يزيد من هشاشة الأوضاع على المدى الطويل.
وتقود نتائج التحليل إلى خلاصة واضحة: قطاع النقل لا يقتصر على كونه مسألة تقنية أو قطاعية، بل هو خيار سياسي أساسي يعكس رؤية طويلة المدى للتنمية. فحجم الاستثمارات، وتحديد الأولويات، وطريقة ربط المناطق ببعضها تعكس جميعها اختيارات – صريحة أو ضمنية – بين النمو، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية.
إن مواصلة اعتماد نموذج يرتكز أساسًا على النقل البري القائم على الوقود الأحفوري، دون مراجعة، يعني القبول بمسار نمو غير متكافئ وذي كلفة بيئية مرتفعة. وتُظهر البيانات أن هذا النموذج يدعم النشاط الاقتصادي، لكنه في الوقت ذاته يُسهم في زيادة الانبعاثات ولا يضمن تقليصًا مستدامًا للفقر.
في المقابل، فإن إعادة التفكير في سياسات النقل تفتح مجالًا مهمًا للإصلاح. فمن خلال إدماج الأبعاد الجهوية والاجتماعية والبيئية بشكل أعمق، يمكن أن تتحول منظومة التنقل إلى أداة للحد من الفوارق الجهوية، وتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتعزيز التماسك الاجتماعي. ويتطلب ذلك تبني اختيارات واضحة، من بينها تطوير النقل الجماعي، وتنظيم أسطول السيارات بشكل أفضل، وإدماج الأهداف البيئية في صميم سياسات التنقل. وبعبارة أخرى، فإن سياسات النقل تُسهم بشكل مباشر في تشكيل نموذج التنمية في البلاد.
ما الذي تعنيه هذه النتائج بالنسبة للسياسات العمومية؟

تدعو هذه الاستنتاجات إلى تجاوز مرحلة التشخيص والتفكير في تداعياتها العملية على مستوى السياسات العمومية.
وتؤكد نتائج الدراسة أن قطاع النقل ينبغي التعامل معه كسياسة عمومية أفقية، لا كمجرد مسألة بنية تحتية.
كما تُبرز ما يلي:
- ضرورة إعادة النظر في الاعتماد على النقل البري القائم على الوقود الأحفوري، نظرًا لتأثيره المباشر على مسار الانبعاثات؛
- أهمية إدماج الفوارق الجهوية ضمن سياسات النقل، حتى تُسهم فعليًا في الحد من الفقر؛
- مخاطر استمرار نموذج نمو اقتصادي دون إعادة توزيع، تتحمّل فيه الفئات الأكثر هشاشة بشكل غير متكافئ الأعباء البيئية والاجتماعية.
وتُبرز هذه النتائج حقيقة أساسية مفادها أن سياسات النقل لا تؤثر فقط على مستوى النمو، بل أيضًا على جودته واستدامته وعدالته، وهي بذلك تعكس اختيارات مجتمعية جوهرية.
منال العوني –أستاذة باحثة بالمعهد العالي للنقل واللوجستيك بسوسة، جامعة سوسة (تونس)د. خالد بن عبد الله-دكتور في الاقتصاد – أستاذ مساعد بالمعهد العالي للنقل واللوجستيك بسوسة، جامعة سوسة (تونس)
الاطلاع على المقال العلمي
“Modeling the long-term relationship between transportation, economic growth, poverty and environmental degradation in Tunisia”, منشور في مجلة Energy & Environment (2024). DOI: 10.1177/0958305X241228509