وُلد تعميم التعليم عن بُعد من رحم أزمة كوفيد-19، وقد أحدث تحولًا عميقًا في الجامعة التونسية. ففي غضون أشهر قليلة، أُعيد التفكير في أساليب التدريس، وفي طبيعة العلاقة بين الأساتذة والطلبة، وحتى في مفهوم تكافؤ الفرص التعليمية. واليوم، يفرض التعليم الإلكتروني نفسه كرافعة للابتكار، ولكنه يكشف أيضًا عن الفوارق الاجتماعية.
عندما أُغلقت الجامعات سنة 2020، وجد آلاف الطلبة والأساتذة أنفسهم أمام شاشاتهم. ولضمان استمرارية العملية التعليمية، اضطرت الجامعة إلى إعادة ابتكار نفسها. وكان هذا الانتقال السريع إلى التعليم الرقمي في البداية استجابةً لحالة طارئة، لكنه سرعان ما اكتسب بعدًا أوسع، ليصبح تحولًا مستدامًا في طرق التعلم، والتعليم، وفهم منظومة التعليم.
ثورة رقمية تسارعت بفعل الأزمة
لم تنتظر تونس جائحة كوفيد-19 لبدء تحولها الرقمي. فمنذ سنة 2002، أسس إحداث الجامعة الافتراضية التونسية قاعدة التعليم الإلكتروني. وفي سنة 2011، فرضت إصلاحات أن يتم تقديم 20% من الدروس الجامعية عن بُعد. كما تم تكوين الطلبة في استخدام الأدوات الرقمية، وكانت تونس تُعد من بين الدول الأكثر تقدمًا في إفريقيا في مجال توظيف التكنولوجيا في التعليم.
وفقًا للمعهد الوطني للإحصاء((INS، 2021، يمثل القطاع الرقمي 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتابع 17.2% من الطلبة التونسيين دراسات في مجال تكنولوجيا المعلومات. وفي سنة 2020، كان 64% من السكان يتمتعون بالوصول إلى الإنترنت، أي ما يعادل 7.55 مليون مشترك.
عندما شلّت جائحة كوفيد-19 عمل الجامعات، سمحت هذه البنية التحتية بالانتقال السريع إلى التعليم عن بُعد. وقد وفرت الوزارة الولوج المجاني إلى منصة Moodle، كما تم تكوين الأساتذة بشكل مستعجل. واعتمدت الجامعات على المنصات الرقمية، وتقنيات التواصل المرئي، والمحتويات الإلكترونية للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية.
غير أن هذا الانتقال السريع لم يخلُ من التحديات. فقد واجه بعض الأساتذة، الذين لم يكونوا مستعدين بما يكفي، صعوبات في التأقلم مع الأدوات الجديدة. ومن جهة أخرى، عانى الطلبة من ضعف جودة الاتصال بالإنترنت ومن معدات قديمة في بعض الأحيان. ورغم هذه الصعوبات، شكلت الأزمة نقطة انطلاق نحو تحديث غير مسبوق: إذ خاضت الجامعة التونسية، لأول مرة وعلى نطاق واسع، تجربة تعليمية هجينة، مرنة وتفاعلية.
تحول بيداغوجي وإنساني
لا يقتصر التعليم الإلكتروني على كونه أداة تكنولوجية فحسب، بل يُحدث تغييرًا عميقًا في طرق التدريس.
لقد أدخل التعليم عن بُعد ثقافة بيداغوجية جديدة قائمة على المشاركة الفعالة، والتعاون، واستقلالية الطالب. ولم يعد الأستاذ مجرد ناقل للمعرفة، بل أصبح موجّهًا وميسّرًا لعملية التعلم.
وقد استدعى هذا التطور إعادة تنظيم شاملة للمنظومة الجامعية: من حيث جداول الحصص، والدعم التقني، وإنتاج الموارد السمعية البصرية، وتكييف أساليب التقييم. كما تعلم الأساتذة إعداد مقاطع فيديو تعليمية، وتنشيط المنتديات، وتشجيع النقاش، ومتابعة الطلبة بشكل فردي.
ولا يقتصر التغيير على الجانب التقني، بل يشمل أيضًا البعد النفسي. فالعلاقة القائمة على الثقة بين الأستاذ والطالب، والشعور بالانتماء إلى مجتمع تعليمي، والتحفيز، كلها عناصر أساسية لنجاح هذا النموذج. فالأدوات الرقمية لا تعوّض الحضور الإنساني، بل تعيد صياغته.
ومن هنا، تصبح إدارة التغيير مهارة أساسية بحد ذاتها. إذ يُعد تكوين الأساتذة، وتثمين المبادرات، وخلق فضاءات للتبادل، من بين الشروط الضرورية لترسيخ التعليم الإلكتروني بشكل مستدام في الثقافة الجامعية التونسية.

التعليم الإلكتروني بين وعد تكافؤ الفرص والفجوة الاجتماعية
من خلال إتاحة إمكانية التعلم عن بُعد، فتح التحول الرقمي المجال أمام تعليم أكثر إتاحة للجميع. فأصبح بإمكان الطلبة الذين يعيشون بعيدًا عن المراكز الجامعية الكبرى، أو الذين يعملون، أو يتحملون مسؤوليات عائلية، متابعة دراستهم العليا دون مغادرة مناطقهم. وبالنسبة للعديد من النساء، تمثل هذه المرونة فرصة حقيقية للتحرر وتعزيز الاستقلالية.
كما يساهم التعليم الإلكتروني في تقليص التكاليف: تنقل أقل، نفقات سكن أقل، وبصمة بيئية أخف. وبذلك، يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف العاشر المرتبط بالحد من أوجه عدم المساواة.
لكن هذا الوعد بتكافؤ الفرص يصطدم بواقع مستمر، وهو الفجوة الرقمية.
في بعض المناطق، لا يزال الاتصال بالإنترنت بطيئًا أو غير مستقر، كما أن العديد من الأسر لا تمتلك حاسوبًا. ويضطر الطلبة الأكثر هشاشة أحيانًا إلى متابعة دروسهم عبر الهاتف المحمول أو تقاسم جهاز واحد داخل الأسرة.
وفي غياب دعم مؤسساتي (مساعدات مادية، تجهيزات مدعومة، وإنترنت بأسعار معقولة)، يظل خطر اتساع هذه الفوارق قائمًا.
ولا تقتصر مسألة الإدماج الرقمي على البنية التحتية فقط، بل ترتبط أيضًا بخيارات سياسية تهدف إلى ضمان توفير وسائل التعلم للجميع، مهما كانت ظروفهم الاقتصادية أو الجغرافية.
وهكذا، يصبح التعليم الإلكتروني مرآة تعكس الفوارق الاجتماعية، ولكنه في الوقت ذاته أداة قوية لتقليصها، شريطة أن يكون جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة.
ثورة صامتة لكنها حاسمة

ما أطلقته الأزمة، أصبح بإمكان المجتمع التونسي اليوم ترسيخه. لم يعد التعليم الإلكتروني حلًا مؤقتًا، بل أصبح ركيزة أساسية ودائمة في التعليم العالي. فقد غيّر الممارسات، وأعاد تعريف الأدوار، وفتح آفاقًا جديدة للإنصاف والابتكار.
ولإنجاح هذه الثورة الصامتة، لا بد من المضي قدمًا عبر:
- الاستثمار في البنية التحتية،
- تكوين الأساتذة،
- ضمان الولوج الرقمي للجميع،
- وإدماج التعليم الإلكتروني ضمن رؤية تنموية شاملة ومندمجة.
يمكن للتحول الرقمي، إذا ما تم التعامل معه كمنفعة مشتركة، أن يصبح محركًا لتحقيق المساواة والتقدم التعليمي. ومن خلال تبني هذه التحولات، تكتب الجامعة التونسية صفحة جديدة من تاريخها.
سناء الصابر الجويني – المعهد العالي للمحاسبة وإدارة المؤسسات، جامعة منوبةابتسام بن زمال – المعهد العالي للمحاسبة وإدارة المؤسسات، جامعة منوبةسناء التبسي – المعهد العالي للمحاسبة وإدارة المؤسسات، جامعة منوبة
الاطلاع على المقال العلمي
“ICT diffusion and economic growth: Evidence from the sectorial analysis of a periphery country”- Technological Forecasting & Social change-162-(2021) 120403