هل يمكن الوثوق بالبنوك المركزية في أوقات الأزمات؟

4 Min Lire

ماذا تفعل البنوك المركزية عندما يختلّ الاقتصاد، وترتفع الأسعار، ويزداد غضب الشارع؟ بعد ثورات عام 2011، وجدت كلٌّ من تونس ومصر والمغرب نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات دقيقة وحسّاسة.

لقد أحدث ما يُعرف بـ“الربيع العربي” تحوّلًا عميقًا في التوازنات السياسية لعدد من دول المنطقة. تغيّرت الحكومات، وعبّرت المجتمعات عن مطالب اجتماعية جديدة، كما أصبحت الاقتصادات أكثر هشاشة. وفي خضمّ هذه المرحلة المضطربة، اضطلعت البنوك المركزية بدور محوري، غالبًا تحت ضغط.

ما هي مهمتها؟ السيطرة على التضخم، والحفاظ على الاستقرار المالي، ودعم النمو… دون الخضوع للتأثيرات السياسية. إنها معادلة دقيقة، تزداد تعقيدًا في أوقات الأزمات.

ورغم تشابه التحديات الاقتصادية والسياسية، سلكت تونس ومصر والمغرب مسارات نقدية مختلفة. ثلاث دول، وثلاث مقاربات متباينة، فرضتها أولويات وطنية، وقيود داخلية، وتوازنات غالبًا ما تكون هشّة.

ثلاث دول، ثلاث استجابات مختلفة

بعد عام 2011، واجهت السلطات ضغوطًا كبيرة: الاستجابة للمطالب الاجتماعية من خلال زيادة الإنفاق العام، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقرار العملة. وقد وضع ذلك البنوك المركزية في موقف بالغ الحساسية. فهل كان ينبغي دعم الحكومات عبر الإبقاء على أسعار فائدة منخفضة؟ أم كبح التضخم من خلال رفع كلفة الاقتراض؟

وقد اختلفت الإجابات من بلد إلى آخر:

  • في تونس، كان البنك المركزي أكثر تفاعلًا مع التضخم؛ إذ بدأ منذ عام 2017 في الرفع التدريجي لأسعار الفائدة. غير أن لذلك كلفة، حيث أصبح الحصول على التمويل أكثر صعوبة بالنسبة للشركات، مما حدّ من الاستثمار.
  • في مصر، أبقى البنك المركزي على أسعار فائدة منخفضة لعدة سنوات دعمًا للنشاط الاقتصادي. لكن في عام 2016، ومع تدهور الأوضاع، اضطر إلى خفض قيمة العملة بشكل حاد، فكانت النتيجة ارتفاعًا كبيرًا في التضخم، الذي تجاوز 29٪ في عام 2017.
  • في المغرب، كانت الاستجابة أكثر تدرّجًا وتوازنًا؛ إذ باشر البنك المركزي إصلاحًا تدريجيًا لنظام الصرف منذ عام 2018، كما قام بتعديل أسعار الفائدة بشكل محسوب، مع مراعاة كلٍّ من النمو والتضخم.

تعكس هذه المقاربات رؤى مختلفة لدور البنك المركزي في أوقات الأزمات.

قرارات موجّهة… أم ارتجالية؟

في الاقتصاد، هناك قواعد توجيهية للسياسة النقدية. أبرزها قاعدة تايلور، التي تقترح رفع أسعار الفائدة عندما يرتفع التضخم، وخفضها عند تباطؤ النمو. الهدف من ذلك تجنب القرارات الاندفاعية والتقديرية، وتوفير رؤية واضحة للفاعلين الاقتصاديين.

لا يتبع أي من الدول الثلاث هذه القاعدة رسميًا، لكن لوحظت بعض التطورات الإيجابية:

  • في تونس، أصبحت زيادات الفائدة غالبًا مبررة بمحاربة التضخم.
  • في المغرب، تراعي البنك المركزي التطورات الاقتصادية العامة في قراراتها.
  • في مصر، تظل القرارات أكثر غموضًا، دون إطار ثابت أو تواصل واضح حول الأهداف.

اعتماد قواعد بسيطة وقابلة للفهم قد يساعد على تجنب الصدمات المفاجئة، وطمأنة الأسواق، وتعزيز توقعات الجمهور.

استقلالية البنوك المركزية: معركة مستمرة

لكي تكون السياسة النقدية فعالة، يجب أن تبقى البنك المركزي مستقلاً، دون أن يتحول إلى أداة للحكومة. لكن في الواقع، غالبًا ما تُهدد هذه الاستقلالية، خاصة في أوقات ضعف المالية العامة.

    • في تونس، تكفل قانون سنة 2016 رسمياً استقلالية البنك المركزي. لكن قراراته كثيراً ما تتعرض للنقد من قبل المسؤولين السياسيين، خصوصاً عندما تكون غير شعبية.
    • في مصر، يتم تغيير محافظي البنك بشكل متكرر، ما يعزز الانطباع بوجود سيطرة سياسية قوية على البنك المركزي.
    • في المغرب، على العكس، يتمتع البنك المركزي (بنك المغرب) باستقرار أفضل، إذ يحظى بمصداقية أكبر وقراراته نادراً ما تُعترض.

    تعزيز استقلالية البنوك المركزية أمر أساسي لكسب ثقة الجمهور، وضمان اتساق السياسات النقدية، وتفادي أي انحرافات.

د. إبراهيم قيزاني –  كلية إدارة الأعمال بتونس، مختبر الأبحاث MASE 
د. أغاتا ويرزبوسكا -أستاذة مشاركة، المدرسة العليا للاقتصاد، جامعة كوبي، اليابان

الاطلاع على الدراسة

Monetary Policy in Times of Uncertainties: Evidence from Tunisia, Egypt and Morocco », publié dans le Middle East Development Journal.

Partager cet article