تقوم آلاف العائلات التونسية كل سنة ببناء مساكنها دون تراخيص ودون الاستعانة بمهندسين معماريين. ولم يعد هذا الأمر ظاهرة هامشية، بل أصبح يساهم بشكل واضح في تشكيل ملامح مدننا اليوم. إنها ثورة صامتة تستحق التوقف عندها.
في المدن الإفريقية، يُعدّ السكن تحديًا يوميًا لملايين السكان، وتونس ليست استثناءً. فمنذ الاستقلال، جرّبت الدولة عدة مقاربات لمواجهة واقع أساسي: جزء كبير من التوسع العمراني يتم خارج الأطر القانونية.
وفقًا لمعايير الأمم المتحدة، يُعرَّف الحي غير الرسمي بغياب الخدمات الأساسية، وهشاشة الوضعية القانونية للسكن، وظروف العيش غير الملائمة. وفي تونس، تشمل هذه الأحياء مئات الآلاف من السكان، من سيدي حسين إلى ضواحي العاصمة.
لكن ماذا تعني هذه المصطلحات؟
“السكن العشوائي”، “غير الرسمي”، “غير القانوني”، “السري”… كلها تسميات استُخدمت لوصف هذه الأحياء. لكنها لا تعكس بشكل دقيق تعقيد الظاهرة.
اليوم، يبرز مفهوم أكثر دقة وشمولًا: “السكن ذاتي الإنتاج” (Habitat auto-produit)
وقد تم تحليل هذا المفهوم في مقال بعنوان:
“السكن والنسيج ذاتي الإنتاج في تونس: الأسس المفاهيمية، الواقع، وآفاق السياسات العمومية”، المنشور في مجلة Habitat et Ville Durable المجلد 1، العدد 2، نوفمبر 2023
عمّ نتحدث تحديدًا؟
السكن ذاتي الإنتاج يعني ببساطة أن المتساكن يتكفّل بكل شيء بنفسه:
- يبحث عن قطعة الأرض
- يبني المسكن
- يهيّئ الفضاء الداخلي
وأحيانًا، يتجاوز الأمر ذلك ليشمل:
- تنظيم الحي بالتعاون مع الجيران
- خلق فضاءات مشتركة
- بناء شبكات تضامن محلية
وهنا يكمن الفرق: فـالبناء الذاتي يقتصر على تشييد المسكن،
أما السكن ذاتي الإنتاج فيشمل أيضًا تنظيم الحي والعلاقات الاجتماعية داخله.

لنأخذ مثال حي الجيّارة في سيدي حسين: ما كان قبل سنوات مجرد حي صفيحي هش، أصبح اليوم حيًا أكثر تنظيمًا، بفضل تضافر تدخل الدولة مع جهود السكان. وهذه الظاهرة ليست حكرًا على تونس، بل نجدها في عدة دول، من المغرب إلى جنوب إفريقيا، مرورًا بكينيا وتنزانيا، حيث تتكرر نفس الديناميكيات.
ستون سنة من السياسات العمومية: ماذا نستخلص؟
منذ ستينيات القرن الماضي، اعتمدت الدولة التونسية عدة مقاربات لمعالجة السكن غير المنظم:
- في الستينات: تم اللجوء إلى سياسة الإزالة الكاملة للأحياء العشوائية
- ابتداءً من السبعينات: ظهرت محاولات الإدماج بدل الإقصاء
أما التحول الأبرز، فقد كان سنة 1981 مع إحداث وكالة التهذيب والتجديد العمراني (ARRU)، وهي مؤسسة عمومية فريدة من نوعها، تولّت الإشراف على برامج كبرى مثل:
- البرنامج الوطني لتهذيب الأحياء الشعبية
- برنامج تهذيب وإدماج أحياء السكن
وقد سعت هذه البرامج إلى تحسين ظروف العيش داخل الأحياء القائمة بدل هدمها، عبر توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وإدماجها تدريجيًا في النسيج العمراني الرسمي.

يُجسّد مشروع حي الحفصية في المدينة العتيقة بتونس حي الحفصية هذه المقاربة بشكل واضح. فقد فاز هذا المشروع بجائزة الآغا خان للعمارة جائزة الآغا خان للعمارة سنة 1983 في مرحلته الأولى، ثم مجددًا سنة 1995. وقد أثبت أنه من الممكن إعادة تأهيل حي قديم مع الحفاظ على سكانه في أماكنهم، مع خلق أنشطة اقتصادية وتحسين جودة العيش.
مثال آخر هو حي “بيتي صقلية” في حلق الوادي حلق الوادي، الذي استفاد من عملية إعادة تهيئة حضرية هدفت إلى تحسين النسيج العمراني وظروف السكن.
لكن لماذا يختار السكان هذا النمط من السكن؟
خلافًا لما يُشاع، فإن السكن ذاتي الإنتاج ليس دائمًا هشًا أو بدائيًا. ففي العديد من الأحياء، تكون المساكن متينة ومبنية بمواد صلبة مثل الخرسانة والآجر.
المشكل لا يكمن في البناء ذاته، بل في:
- ضعف الربط بالشبكات (الماء، الكهرباء)
- نقص الطرقات المهيأة
- غياب الفضاءات العامة
- قلة المدارس والمستوصفات
شبكات التضامن: قوة وحدود
السكان لا يبنون بمفردهم، بل يتحركون ضمن شبكات تضامن وتعاون تُنظّم الحياة داخل الحي. وهذه البُعد الاجتماعي أساسي لفهم كيفية تطور هذه المناطق.
لكن لهذا التضامن وجهان:
- من جهة، يُساعد على مواجهة الصعوبات وتحسين ظروف العيش
- ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى نوع من التسامح الجماعي مع مخالفة القوانين
ماذا تكشف صور الجوية؟

جيرميستون، جنوب إفريقيا Germiston: حدود غير مرئية بين الأحياء غير الرسمية والتقسيمات السكنية.
المصدر جوني ميلر، 2016
اختار المصوّر الجنوب إفريقي جوني ميلر أن يلتقط هذه الظاهرة من الأعلى. فقد كشفت صوره الملتقطة عبر الطائرات دون طيار واقعًا صادمًا: انقسام مجالي واجتماعي حاد داخل المدن الإفريقية.
في جيرميستون كما في ديربان، قد يكون الحد الفاصل مجرد طريق:
- من جهة: أحياء غير رسمية مكتظة، بأزقة ضيقة وبنية هشة
- من جهة أخرى: أحياء منظمة، بمساحات واسعة، حدائق، وطرقات معبّدة
وهذه الصورة ليست استثناءً، بل تتكرر – مع اختلافات – في دار السلام نيروبي، وحتى في ضواحي تونس.
نحو رؤية جديدة
التجربة التونسية تحمل دروسًا مهمة لبقية الدول النامية. فهي تُظهر أنه من الممكن الانتقال من منطق القمع والإزالة إلى منطق المرافقة والإدماج.
فالسياسات المعتمدة خلال الأربعين سنة الماضية أثبتت أن: إعادة التأهيل أكثر نجاعة من الإزالة.
لكن التحدي الأكبر ما زال قائمًا: الاستدامة
القضية لا تتعلق فقط بالسكن الفردي، بل تشمل كامل النسيج الحضري:
- الربط مع مراكز المدن
- توفر وسائل النقل
- وجود تجهيزات عمومية (مدارس، مستشفيات…)
- خلق فضاءات عامة ذات جودة
وقد أكّد المفكر هنري لوفبفر منذ سنة 1968 في كتابه Le droit à la ville أن الحق في السكن اللائق هو حق أساسي، وما زال هذا النضال قائمًا إلى اليوم.
وهذا يفرض إعادة التفكير في كيفية تصميم المدن، مع إدماج أولئك الذين، في غياب بدائل، يبنون مساكنهم بأنفسهم.
إيكوتوس
اطّلعوا على المقال
"Habitat et tissu “Auto-produit” en Tunisie : Fondement conceptuel, في تونس: الأسس المفاهيمية، الواقع، وآفاق السياسات العمومية"، لمنشور في مجلة ،Habitat et Ville Durable، المجلد 1، العدد 2 (نوفمبر 2023)، ص 37–50.