إن شراء أو بيع الأسهم في بورصة تونس يشبه إلى حدٍّ ما التبضّع من الأسواق: فكلما كان المعروض أكبر، أمكن شراء الكميات المطلوبة دون التسبب في ارتفاع الأسعار. هذه «الاحتياطيات الخفية»، التي يُطلق عليها عمق السوق، تؤدي دورًا أساسيًا في الحدّ من التقلبات الحادّة صعودًا أو هبوطًا. فلنحاول فهم كيفية تطور هذا العمق ولماذا يهم الجميع.
شهدت بورصة تونس في السنوات الأخيرة نشاطًا متزايدًا: مزيد من الصفقات، وعدد أكبر من المشاركين، ونظام أكثر حداثة. لكن خلف الشاشة التي تعرض الأسعار بشكل متواصل، يوجد آلية غير مرئية هي عمق السوق. فهي توضح عدد الأسهم الجاهزة للشراء أو البيع عند أسعار مختلفة، أي قدرة السوق على «استيعاب» الأوامر الكبيرة دون التسبب في تقلبات كبيرة.
إذا كان عمق السوق كبيرًا، تسير المعاملات بسلاسة. أما إذا كان ضعيفًا، فقد يؤدي أمر واحد كبير إلى ارتفاع سعر السهم أو انخفاضه بشكل ملحوظ في غضون ثوانٍ. وقد قامت دراسة بعنوان ديناميكية عمق السوق: حالة بورصة تونس»، نُشرت في مجلة International Journal of Accounting, Finance, Auditing, Management and Economics، وأعدّتها الدكتورة ريم بربوش، الأستاذة الباحثة بالمعهد العالي للتصرّف بتونس، بتحليل هذا العمق بدقة باستخدام بيانات عالية الجودة، لمعرفة العوامل التي تؤثر فيه وما يترتب على ذلك بالنسبة إلى المستثمرين والمتداولين والسلطات.
ما هو عمق السوق تحديدًا؟
تخيّل سوقًا للفاكهة: على أحد الأكشاك يوجد 200 كيلوغرام من التفاح. يمكنك شراء 5 كيلوغرامات أو حتى 50 دون أن يتغير السعر. لكن إذا كان المخزون لا يتجاوز 10 كيلوغرامات، فقد يقوم البائع برفع السعر فور شراء كمية كبيرة. في البورصة، الوضع مشابه تمامًا. فـعمق السوق هو «الاحتياطي» من الأسهم المتاحة عند أسعار مختلفة. وكلما كان هذا الاحتياطي أكبر، كان من الأسهل شراء أو بيع كميات كبيرة دون التأثير على الأسعار.
في الدراسة، يُقاس هذا العمق من خلال مراقبة الفرق بين ما يُشترى وما يُباع خلال فترة قصيرة، أي المدة التي يتحرك فيها السعر بمقدار صغير يُسمّى “تيك“ (أصغر وحدة لتغيير السعر). على سبيل المثال، بالنسبة لبعض الأسهم التونسية، يعادل التيك )أصغر وحدة لتغيير سعر السهم في البورصة20 (مليما. وإذا تحرك السعر بسرعة، غالبًا ما يشير ذلك إلى استعجال المستثمرين أو إلى امتلاكهم معلومات مهمة.

ما الذي يحرك عمق السوق في بورصة تونس
كشفت التحليلات عن عدة عوامل تؤثر في عمق السوق:
- كمية الأوامر في دفتر الطلبات: كلما زادت الأسهم المعروضة للشراء أو البيع، أصبح السوق أكثر استقرارًا.
- وتيرة الصفقات: إذا تم تنفيذ العديد من الأوامر بسرعة كبيرة، ينفد الاحتياطي وتقل عمق السوق.
- حجم الصفقات: الأوامر الكبيرة يمكن أن تحرك الأسعار بسرعة.
- صبر المستثمرين: أولئك الذين يتركون أوامرهم في دفتر الطلبات لفترة أطول يساهمون في الحفاظ على عمق كافٍ للسوق.
فوائد السوق العميق للجميع:
- يمكن للمستثمرين تنفيذ أوامر كبيرة دون التسبب في تقلبات حادة للأسعار.
- يقلل المتداولون من تكاليفهم ويجدون فرصًا بسهولة أكبر.
- يمكن للهيئات الرقابية مراقبة صحة السوق بشكل أفضل ورصد المخاطر المحتملة.
في تونس، حيث يبقى السوق صغير الحجم، يعتبر هذا العمق أمرًا حيويًا لتجنب أن يؤدي أمر واحد كبير إلى اهتزاز الأسعار بشكل ملحوظ.

لماذا هذا مهم بالنسبة لك، حتى لو لم تكن متداولًا
لا يقتصر تأثير عمق السوق على المتخصصين فقط، بل يمس بشكل غير مباشر جميع الذين يستثمرون، يدخرون أو يتابعون الاقتصاد التونسي:
- بالنسبة للمستثمرين الأفراد: يساعدهم على معرفة ما إذا كان بإمكانهم شراء أو بيع الأسهم دون دفع سعر «مرتفع» نتيجة نقص العرض.
- بالنسبة للشركات المدرجة: يجعل السوق العميق أسهمها أكثر جاذبية للمستثمرين.
- بالنسبة للاقتصاد: كلما كانت البورصة أكثر سيولة وعمقًا، كلما جذبت المزيد من رؤوس الأموال، ما يمكن أن يمول النمو الاقتصادي.
أما السلطات الرقابية، فهي تستخدم هذا المؤشر لتفادي المواقف ذات المخاطر العالية. فعمق السوق الضعيف يشبه إلى حدٍّ ما سوق الفاكهة شبه الفارغ، حيث يمكن أن ترتفع الأسعار أو تنخفض بشكل مفاجئ في أي لحظة.

عمق السوق هو أحد ركائز سوق بورصة صحي. فهو يعكس قدرة السوق على استيعاب الأوامر والحفاظ على الاستقرار، حتى عندما تكون أحجام التداول كبيرة. في سوق مثل بورصة تونس، فإن مراقبته أمر لا غنى عنه للاستثمار بثقة، والتنظيم الفعال، والحفاظ على ثقة المشاركين في السوق.
إيكوتوس
للاطلاع على الدراسة
ديناميكية عمق السوق: حالة بورصة تونس"، مجلة
International Journal of Accounting, Finance, Auditing, Management and Economics، SSN: 2658-8455، المجلد 6، العدد 1 (2025)، الصفحات 618-639. إعداد الدكتورة ريم بربوش – CC BY-NC-ND.