في العالم العربي، يثير مصطلح “الشعبوية” في الوقت نفسه الأمل والتحول غير المكتمل. على عكس الغرب، حيث يُنظر إليها غالبًا كتهديد للديمقراطية، كانت الشعبوية أحيانًا محفزًا للتغييرات السياسية. ومع الخلفية التونسية الاستثنائية، يستعرض هذا المقال دوافع هذا الظاهرة وحدودها.
لماذا لم تؤدِ الانتفاضات الشعبية العربية إلى ديمقراطيات دائمة؟ ولماذا تبدو تونس استثناءً رغم تحدياتها العديدة؟ هذه الأسئلة تُثار في النقاش منذ أكثر من عقد من الزمن. وراء هذا المصطلح المستهلك، ماذا تعني الشعبوية حقًا؟ في البلدان الغربية، يُخشى أن تضعف الشعبوية الديمقراطيات. أما في العالم العربي، فالأمر عكس ذلك: لقد هزّت الحركات الشعبية، بلا قادة أو أحزاب منظمة، الأنظمة الاستبدادية. تونس تجسّد هذا الواقع: انتفاضة مستوحاة من الشعبوية فتحت الطريق نحو انتقال ديمقراطي هش حتى الآن. لكن هذا المسار لم يتحقق في كل مكان؛ دول مثل سوريا، ليبيا أو اليمن انزلقت إلى صراعات عنيفة. فهل الشعبوية العربية محرك للتغيير أم مصدر للاضطراب؟ لفهم ذلك، يجب التعرف على الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الحركات.
تربة خصبة: الاستبداد، التفاوتات وخيبات الأمل
في غالبية الدول العربية، لم يرافق النمو الاقتصادي عملية ديمقراطية. على عكس مناطق أخرى، لا يوجد رابط واضح بين التنمية الاقتصادية والانفتاح السياسي. يُفسّر هذا “الاستثناء العربي” جزئيًا بعاملين رئيسيين: الثروة النفطية والصراعات المزمنة.
لقد سمحت الموارد الطبيعية، خصوصًا النفط، للأنظمة الاستبدادية بالبقاء من خلال توزيع المزايا الاقتصادية دون توسيع الحريات؛ وهو ما يُعرف بـ”لعنة الموارد”. بالإضافة إلى ذلك، أسّست الصراعات، لا سيما النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، مناخًا من الخوف يُسهّل الحفاظ على النظام الاستبدادي.
هذا الوضع الراهن بدأ يتصدع. منذ 2010، انفجرت الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية: بطالة واسعة، تفاوت إقليمي صارخ، شعور بالظلم، الزبائنية… في تونس، تبقى الفقر أربع مرات أعلى في الداخل مقارنة بالساحل، مع إضافة الفساد وفقدان الثقة في المؤسسات.

انتفاضات بلا قادة: الشعبوية كصرخة جماعية
فاجأت الانتفاضات العربية بعفويتها. في تونس والقاهرة، تحركت الجماهير بشكل واسع، بلا قادة أو أحزاب منظمة. ما الذي جمعهم؟ رفض النخب، رغبة في العدالة الاجتماعية، واحتياج عاجل للكرامة. كانت هذه الحركات معادية للنخب بوضوح، مستهدفة أنظمة فاسدة، غير متساوية ومنفصلة عن الواقع. الشعبوية هنا ليست أيديولوجية، بل صرخة سياسية، حملتها قاعدة شعبية غالبًا ما تكون شابة، متصلة ومتعلمة، لكنها مستبعدة.
في تونس ومصر، أسقط هذا الزخم الأنظمة. أما في أماكن أخرى، فتم قمع الحركات أو تحولت إلى حروب أهلية. الشعبوية لم تسبب هذه النزاعات، لكنها أحيانًا أُحبطت أو استُغلت من قبل قوى أقدم، أحيانًا بدعم تدخلات خارجية.
تونس، الناجية الوحيدة من أمل إقليمي؟
في تونس، أدت الانتفاضة إلى انتقال سياسي حقيقي. لعب الاتحاد العام التونسي للشغل، كونه نقابة تاريخية، دورًا محوريًا كميسّر وموحّد، ما مكّن من إقامة مؤسسات مؤقتة، انتخابات حرة، نقاش دستوري والاعتراف بالتعددية.
لكن الانتقال يبقى معقدًا. صعود حركة النهضة، التوترات الاجتماعية، المطالب الإقليمية والأزمة الاقتصادية تبطئ تحقيق “العقد الاجتماعي الجديد”. التضخم، بطالة الشباب واختلالات الميزانية تشكل أعباءً ثقيلة.
ومع ذلك، تصمد تونس. فقد اعتمدت دستورًا تقدميًا في 2014 وأقامت انتخابات متعددة الأطراف. يمكن الحديث عن ديمقراطية انتخابية، لكن ليس بعد عن ديمقراطية حقيقية تضمن شروط حياة كريمة للجميع.
هذا التناقض؛ حرية سياسية مع هشاشة اجتماعية واقتصادية؛ يمثل التحدي الراهن. بدون عدالة اجتماعية وإصلاحات شاملة، قد تظهر شعبوية أكثر راديكالية.

في العالم العربي، أطلقت الشعبوية تحولات، وكشفت حدود الأنظمة الاستبدادية، ورفعت صوت المستبعدين. لكن بدون إصلاحات عميقة، فهي معرضة للعودة بأشكال أكثر استبدادية.
تونس اليوم هي المثال الوحيد على انتقال أُطلق عبر انتفاضة شعبية. مستقبلها يعتمد على قدرتها على تحويل هذا الزخم السياسي إلى تقدم اجتماعي. هذا الرابط بين الديمقراطية والشمول الاقتصادي هو ما سيحدد إذا كان الانتقال يمكن أن يكتمل وربما يلهم المنطقة.
هاجر الورداني – أستاذة مساعدة، المعهد العالي للإدارة، جامعة تونسسمير مقدسي – أستاذ فخري للاقتصاد، الجامعة بيروت (AUB) الأمريكية في
للاطلاع على الدراسة
“Autocracy, democracy and populism in the Arab region with reference to Tunisia”, (ORIENT IV / 2018)."