الاستثمار الأجنبي المباشر في تونس: المزايا، النقائص وآليات التحرك

إن جذب الاستثمارات الأجنبية لا يقتصر على توفر الأموال فقط، بل يتعلق أيضًا بالاستقرار، وجودة التكوين، والانفتاح، والثقة. وعلى مدى أكثر من ثلاثين سنة، سعت تونس إلى استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية. فما الذي نجح؟ وما الذي لا يزال يعرقل هذا المسار؟

يُنظر إلى الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه رافعة قوية لتحفيز الاقتصاد، وخلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا. غير أن جميع الدول لا تنجح في استقطاب هذه الاستثمارات بالشكل الذي تطمح إليه.

ورغم الإصلاحات التي قامت بها تونس وما تمتلكه من مقومات، فإنها لم تكن يومًا من الدول الرائدة إقليميًا في مجال الاستثمار الأجنبي المباشر. فقد شهدت الفترة بين 1980 و2012 تقلبات ملحوظة: ارتفاعات كما في سنة 2006 (حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي) وسنة 2008 (6.2%)، مقابل تراجعات حادة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، ثم بعد ثورة 2011، حيث انخفضت الاستثمارات إلى حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي.

تسلط هذه الدراسة الضوء على أبرز العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر في تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى تونس.

بلد منفتح… لكنه لا يزال هشًا

منذ ثمانينيات القرن الماضي، قامت تونس بعدة إصلاحات، من بينها التحرير التدريجي للتجارة، والانضمام إلى الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) سنة 1989، ثم إلى منظمة التجارة العالمية (OMC) سنة 1994، إضافة إلى توقيع اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995. واليوم، يمثل حجم التجارة الخارجية أكثر من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر واضح على انفتاح الاقتصاد.

وقد كان لهذا الانفتاح أثر إيجابي على الاستثمار الأجنبي المباشر: فكلما زادت المبادلات التجارية مع العالم، زادت جاذبية تونس للمشاريع الأجنبية. غير أن لهذا الانفتاح جانبًا سلبيًا، حيث تفوق الواردات في كثير من الأحيان الصادرات، مما يؤدي إلى عجز تجاري مزمن.

عامل آخر أساسي: مستوى التنمية. بين 1980 و2012، بلغ متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي حوالي 4.2%، مع تسجيل ذروات تقارب 8% سنة 1990. وغالبًا ما تتزامن هذه الفترات من التوسع القوي مع تدفق أكبر للاستثمار الأجنبي المباشر.

الاستقرار السياسي: مغناطيس أو عامل نفور

يراقب المستثمرون الأجانب عن كثب الاستقرار السياسي وجودة المؤسسات. ففترات التوتر السياسي أو تراجع الحريات تحد من جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في حين أن التقدم الديمقراطي يمكن أن يعزز الجاذبية… شرط أن يصاحبه بيئة متوقعة ومستقرة.

قبل سنة 2011، كانت تونس مصنفة كدولة “غير حرة” من قبل منظمة Freedom House. وبعد الثورة، تحسنت الدرجة في الحقوق السياسية من 7 إلى 3 (على مقياس حيث 1 هي أفضل درجة)، وفي الحريات المدنية من 5 إلى 4. غير أن حالة عدم الاستقرار وعدم اليقين التي تلت الثورة ألغت هذه المكاسب أحيانًا في نظر المستثمرين.

رأس المال البشري: رافعة يجب استثمارها

من بين العوامل التي تلعب الدور الأكبر على المدى الطويل، تأتي التعليم في المرتبة الأولى. فالسكان المتعلمون جيدًا يجذبون مشاريع أكثر تطورًا في مجالات الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية.

في تونس، ارتفع معدل التسجيل الخام في التعليم الثانوي من 25% سنة 1980 إلى أكثر من 90% سنة 2012؛ وهو تقدم ملحوظ. ومع ذلك، ترى العديد من الشركات الأجنبية أن البرامج التكوينية لا تتوافق دائمًا مع المهارات المطلوبة في سوق العمل.

تظهر هنا مفارقة: على المدى القصير، قد يؤدي ارتفاع مستوى التعليم بسرعة إلى تقليل الاستثمار الأجنبي المباشر، لحين امتصاص السوق للكوادر الجديدة المؤهلة. لكن على المدى الطويل، يصبح الأثر إيجابيًا ومؤثرًا بشكل ملموس. لذا، فإن الاستثمار في جودة التعليم وربطه باحتياجات الاقتصاد أمر ضروري.

رافعات لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تونس بشكل مستدام

جذب الاستثمار الأجنبي المباشر (IDE) بشكل مستدام في تونس لا يقتصر على مجرد شعار دعائي. تُظهر البيانات أن:

  • الانفتاح التجاري والنمو الاقتصادي يعززان وصول رؤوس الأموال الأجنبية.
  • الاستقرار السياسي والمؤسسي ضروري لكسب ثقة المستثمرين.
  • رأس المال البشري يمثل قوة، بشرط توجيه التعليم بما يتوافق مع احتياجات الاقتصاد.

الأولويات: متابعة تحرير التجارة، تعزيز الاستقرار السياسي، تحديث التعليم والنظام المالي لدعم الاستثمار الخاص بشكل أفضل.

 تهاني الغاق- جامعة تونس المنار، مختبرالاندماج الاقتصادي الدولي
 عبد القادر الزريبي- مدرسة تونس للأعمال 
نادية الزرلي بن حميدة – جامعة تونس، DEFI ESSECT
هزار التمي – جامعة تونس المنار، مختبرالاندماج الاقتصادي الدولي

الاطلاع على الدراسة:

"Determinants of foreign direct investment in
Tunisia: Empirical assessment based on an application of the autoregressive distributed Lag model" - Economics, Management and Sustainability, 2(1), 43-59.- doi:10.14254/jems.2017.2-1.4.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *