تتمتع تونس بمقومات قوية: شباب متعلم، منظومة تعليمية منظمة، ورأسمال بشري معترف بجودته. ومع ذلك، لا تنعكس هذه الموارد بشكل كامل على الثروة والنمو الاقتصادي. فالبلاد تُنتج الكفاءات، لكنها تجد صعوبة في تثمينها واستثمارها.
تقدم دراسة “اقتصاد المعرفة: تقييم تونس“، التي أنجزتها شركة Whiteshield Partners Limited بدعم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في إطار برنامج SEMED، تشخيصًا دقيقًا لهذا الوضع. حيث تحلل المحركات الهيكلية للتنمية الاقتصادية في تونس، وخاصة الابتكار، وتطور قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية (مثل صناعة السيارات، الطيران، الأدوية، ومواد التصنيع).
رأسمال بشري حقيقي… لكنه غير مستغل بالشكل الكافي
منذ عقود، استثمرت تونس في التعليم والتكوين. والنتائج ملموسة: فالشباب التونسي يتميز بالكفاءة والتحفيز. ومع ذلك، لا يستطيع الاقتصاد استيعاب هذه الكفاءات بالشكل المطلوب.
لا يزال معدل بطالة حاملي الشهادات مرتفعًا (23%)، مما يكشف عن فجوة هيكلية بين العرض التكويني وطلب سوق الشغل. كما أن سلسلة القيمة المرتبطة بالمعرفة تعمل في شكل جزر منفصلة: الكفاءات موجودة، لكنها لا تُوظّف بالشكل الكافي داخل الاقتصاد.
السؤال الجوهري: ما جدوى التكوين إذا لم تتوفر فرص التشغيل؟

الابتكار: إمكانات كبيرة… لكن غير مُفعّلة
تزخر تونس بالمواهب والأفكار، لكن الانتقال من المعرفة إلى الابتكار ما يزال محدودًا. إذ يبقى الاستثمار في البحث والتطوير (R&D) ضعيفًا، كما أن التفاعل بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية لا يزال غير كافٍ.
النتيجة: تنتشر المعرفة وتُنتج، لكنها لا تتحول بالشكل المطلوب إلى منتجات أو خدمات أو مؤسسات مبتكرة.
هذا العجز يحدّ من ديناميكية الاقتصاد التونسي، ويُبقيه متمركزًا في قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة، كما يعيق اندماجه في سلاسل القيمة العالمية.
إنه في جوهره مشكلة منظومة أكثر من كونه نقصًا في الموارد.

تُبرز الدراسة أن العائق الحقيقي لا يكمن في نقص الإمكانيات. فـتونس تمتلك:
- نظامًا تعليميًا مُهيكلًا
- رأسمالًا بشريًا معترفًا به
- وإمكانات علمية حقيقية
لكن المشكلة الأساسية أن هذه العناصر تبقى معزولة عن بعضها. إذ لا توجد روابط كافية بين السياسات العمومية، وسوق الشغل، وهياكل الابتكار.
ولتحقيق نقلة نوعية، من الضروري:
- مواءمة السياسات العمومية مع حاجيات الاقتصاد
- تعزيز الروابط بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية
- خلق بيئة محفزة للابتكار
- تحديث النظام الجبائي والإطار التنظيمي
- تسهيل الاستثمار الأجنبي ورأس المال المخاطر (Venture Capital)
- تطوير التكنوبولات وتعزيز البحث التطبيقي في القطاعات التكنولوجية العالية والقطاع الطبي
نحو مستقبل اقتصادي قائم على المعرفة
وضعت تونس بالفعل أسسًا مهمة. فهي عضو في منظمة التجارة العالمية (OMC)، ووقّعت أكثر من 60 اتفاقية تجارية، إضافة إلى مشاركتها الفاعلة في اتفاقيات إقليمية (الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، تركيا).
كما يشهد قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال والصناعات التكنولوجية نموًا سريعًا؛ إذ ارتفعت مساهمة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال في الناتج الداخلي الخام من أقل من 3% سنة 1997 إلى 10% سنة 2011.
وتتركز الصناعات بشكل أساسي على محور تونس–صفاقس، الذي يضم حوالي 80% من مواطن الشغل في الصناعات التحويلية. كما تحتل تونس مواقع استراتيجية في سلاسل القيمة الأوروبية، خاصة في مجالات ضفائر الأسلاك، وصناعة الطيران، والأدوية الجنيسة.

ومع ذلك، لا تزال عدة عوائق قائمة: عدم ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، ضعف حضور النساء في المناصب القيادية، نظام جبائي ضاغط على الشركات المحلية (on-shore)، نقص التمويل للمؤسسات الصغرى والمتوسطة المبتكرة، وضعف الاستثمار في البحث والتطوير المحلي.
وتوصي الدراسة بما يلي:
- إنشاء تكنوبولات ودعم الابتكار في القطاعات الاستراتيجية (تكنولوجيا المعلومات والاتصال TIC، الصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الحيوية)
- تحديث الإطارين التنظيمي والجبائي
- تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص والتعاون الدولي
- تحسين إدماج الشباب والنساء في سوق الشغل
- تطوير البحث التطبيقي والحلول الرقمية (e-business)
المفارقة التونسية واضحة:
بلد يزخر بالكفاءات، لكنه ما يزال محدودًا في قدرته على تحويل هذه الكفاءات إلى نمو اقتصادي حقيقي.
وفي عالم أصبح فيه الاقتصاد قائمًا أساسًا على المعرفة، فإن هذا التفاوت يمثل في آنٍ واحد مخاطرة وفرصة.
يمكن لتونس أن تصبح قطبًا إقليميًا في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والصناعة الدوائية، والتكنولوجيات العالية، إذا ما نجحت في إزالة العوائق الهيكلية والاستثمار بذكاء في الابتكار، ورأس المال البشري، والحوكمة القطاعية.
اليوم، أصبح تحويل المعرفة إلى محرك فعلي للتنمية هو التحدي المركزي.
إيكوتوس
اطّلعوا على الدراسة
“Économie du savoir en Tunisie : identifier et combler les écarts de capacités et d’innovation dans la région Sud et Est de la Méditerranée (région SEMED)”; من إعداد Whiteshield Partners Limited بدعم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في إطار برنامج SEMED.