كوفيد-19 في تونس: الأزمة التي كشفت الاقتصاد على حقيقته

Ecotous
5 Min Lire

لم تقتصر جائحة كوفيد-19 على اختبار المنظومة الصحية في تونس، بل كشفت بحدة غير مسبوقة عن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة منذ سنوات: دين عمومي مرتفع، بطالة مستمرة، وهوامش مالية محدودة. وأمام هذه الصدمة، اهتزّ الاقتصاد التونسي. فما الذي تكشفه هذه الأزمة فعليًا عن طريقة عمل الدولة وعن الإصلاحات المطلوبة للمستقبل؟

في ربيع 2020، فاجأت تونس الجميع بقدرتها على احتواء الموجة الأولى من كوفيد-19. فقد ساهمت الإجراءات السريعة والتعبئة الجماعية في الحد من انتشار الفيروس. لكن بعد أشهر قليلة، غيّرت الموجة الثانية المعادلة. إذ كان السياق المالي قد تدهور بشكل كبير، وتقلّصت قدرة الدولة على الاستجابة.

تحولت الأزمة الصحية حينها إلى أزمة اقتصادية واجتماعية. فقد ضربت بلدًا يعاني أصلًا من نمو ضعيف، وبطالة مرتفعة، وارتفاع في الدين العمومي. وبالتالي، لم يعد التحدي يقتصر على إدارة الطوارئ، بل على فهم ما تكشفه هذه الأزمة من اختلالات هيكلية في الاقتصاد التونسي.

وقد تم تناول هذا التحليل في مذكرة سياسات صادرة عن مركز التكامل المتوسطي والمنتدى الأورومتوسطي لمعاهد العلوم الاقتصادية. وأعدّته هاجر الورداني، خبيرة اقتصادية وأستاذة محاضرة بجامعة تونس، حيث تؤكد أن كوفيد-19 لم يخلق الصعوبات الاقتصادية في تونس، بل كشف بشكل واضح عن هشاشات كانت موجودة منذ سنوات طويلة.

اقتصاد كان هشًّا حتى قبل الجائحة

قبل ظهور كوفيد-19 بوقت طويل، كان الاقتصاد التونسي يعاني من اختلالات مستمرة. فمنذ سنة 2011، تكررت العجوزات المالية، ما دفع الدولة إلى اللجوء بشكل واسع إلى الاقتراض. وقد ارتفع الدين العمومي من أقل من 50% من الناتج الداخلي الخام سنة 2010 إلى حوالي 75% سنة 2019، واستمر في الارتفاع خلال سنة 2020. وبما أن جزءًا كبيرًا من هذا الدين مقوَّم بالعملات الأجنبية، فقد أصبحت البلاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

وقد ترافق ذلك مع تباطؤ مستمر في النمو وارتفاع هيكلي في نسبة البطالة. ونظرًا لضعف الهوامش المالية، تراجع الاستثمار العمومي، خاصة في البنية التحتية. كما أصبح ميزان الدولة يُستهلك بشكل متزايد في الأجور والنفقات الجارية، على حساب الاستثمارات المنتجة القادرة على دعم التشغيل وتعزيز التنافسية. وعندما ضربت الجائحة، أدت هذه الهشاشة إلى تقليص كبير في قدرة الاقتصاد على الاستجابة.

صدمة كوفيد-19: أزمة اجتماعية واقتصادية كبرى

أدت الإجراءات الصحية المعتمدة للحد من انتشار الفيروس إلى توقف مفاجئ للنشاط الاقتصادي. ففي الربع الثاني من سنة 2020، سجلت تونس انكماشًا تاريخيًا في الإنتاج، مسّ بشكل خاص الصناعة والخدمات وقطاع السياحة. وكان كل من التجارة والنقل والفندقة من أكثر القطاعات تضررًا.

وقد انعكس هذا التراجع السريع للنشاط الاقتصادي على سوق الشغل. إذ ارتفعت نسبة البطالة لتصل إلى حوالي 18%، مع تأثير شديد على العاملين في القطاع غير المنظم. فهؤلاء، الذين يمثلون قرابة نصف سوق الشغل، وجدوا أنفسهم في الخط الأمامي لفقدان الدخل وقيود التنقل، دون أي تغطية اجتماعية.

وقد بادرت الدولة إلى اتخاذ إجراءات دعم لتخفيف حدة الصدمة. ورغم أن هذه التدابير وفرت مساندة فورية، إلا أنها زادت في المقابل من الضغوط على المالية العمومية، وأدت إلى تقليص بعض نفقات الاستثمار، بما في ذلك في قطاع الصحة، رغم أهميته القصوى في هذا السياق.

إعادة التفكير في السياسات العمومية للخروج من الأزمة

أمام حجم الصدمة، بدأت حدود إدارة الطوارئ تظهر بوضوح. وعلى المدى القصير، يبدو دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة ضروريًا، باعتبارها تمثل صلب النسيج الاقتصادي وتلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على مواطن الشغل. فالحفاظ على سيولتها المالية شرط أساسي لتجنب الدخول في دوامة انكماش اقتصادي.

أما على المدى المتوسط، فقد كشفت الأزمة عن ضرورة الاستثمار المستدام في الصحة العمومية، من خلال تحديث البنية التحتية وتقليص الفوارق بين الجهات. كما يمكن لسياسة نقدية أكثر مرونة وللقطاع المالي أن يسهما في دعم الاستثمار الخاص ومرافقة الانتعاش الاقتصادي.

وبشكل أوسع، كما يشير تقرير السياسات، تدعو الجائحة إلى إعادة التفكير في دور الدولة. إذ يبدو أن تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين الحوكمة المالية، وتكثيف التنسيق بين السياسات العمومية، كلها عناصر أساسية لاستعادة الثقة وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.

لم يُنشئ كوفيد-19 هشاشة الاقتصاد التونسي، بل كشفها فقط. فقد جعلت المديونية المرتفعة، والبطالة المستمرة، وضعف الهوامش المالية، إدارة الأزمة أكثر صعوبة. غير أن هذه المرحلة تفتح أيضًا فرصة لإعادة التفكير في السياسات العمومية وإعادة وضع العدالة الاجتماعية في قلب مسار التنمية. إن الخروج من الأزمة سيتوقف على القدرة على استخلاص الدروس من هذه التجربة، والشروع في إصلاحات منسجمة قادرة على تعزيز صلابة الاقتصاد والمجتمع.

إيكوتوس

للاطلاع على مذكرة السياسات

COVID-19, Challenges and Opportunities: The Case of Tunisia”, صادرة في أكتوبر 2020 ضمن سلسلة COVID-19 MED Briefs، عن مركز التكامل المتوسطي (CMI) والمنتدى الأورومتوسطي لمعاهد العلوم الاقتصادية، من إعداد هاجر الورداني، أستاذة محاضرة في الاقتصاد بالمدرسة العليا للعلوم الاقتصادية والتجارية بتونس - جامعة تونس.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *