كفاءاتنا تغادر: كيف يمكن لتونس أن تستشرف التحوّلات للحفاظ على كفاءاتها

Ecotous
4 Min Lire

كلّ سنة، يغادر آلاف الكفاءات التونسية البلاد. وخلف هذا الواقع، الذي يُختزل غالبًا في أسباب اقتصادية، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا تتمثّل في بيئة غير مستقرة وقدرة محدودة على الاستشراف والتكيّف مع التحوّلات. ويقتضي فهم هذه الديناميكية التطرّق إلى مفهوم المرونة الاستراتيجية، بشقّيها الاستباقي والتفاعلي، لما يتيحه من تفسير لكون بعض حالات المغادرة كان من الممكن تفاديها. وهذا ما يتناوله مقال فادية بحري القربي، الباحثة في علوم التصرف، والمنشور في مجلة Gérer & comprendre.

وتشمل هجرة الكفاءات مهندسين وأطباء وباحثين وشبابًا من خريجي الجامعات. وإذا كان العامل الاقتصادي مؤثّرًا، فإنه لا يفسّر بمفرده حجم الظاهرة. إذ تبيّن الدراسة أنّ نزيف الكفاءات يندرج ضمن سياق عام من الاضطراب، يتّسم بعدم اليقين الاقتصادي، وعدم الاستقرار المؤسسي، وضعف الآفاق المهنية.

وعندما تصبح البيئة غير قابلة للتوقّع، تتكيّف قرارات الأفراد بسرعة، ليصبح السفر إلى الخارج خيارًا عقلانيًا في ظلّ الفرص المتاحة في أماكن أخرى. غير أنّ هذه الديناميكية لا ترتبط فقط بالاختيارات الفردية، بل تعتمد أيضًا على قدرة المؤسسات والمنظمات على توفير ظروف جاذبة والتطوّر بما يتماشى مع التغيّرات.

المرونة الاستراتيجية: تفاعلية أم استباقية؟

تُميّز الدراسة بين نوعين من المرونة الاستراتيجية:

  • المرونة التفاعلية: وهي الاستجابة للتغيّرات بعد وقوعها فقط. وفي السياق التونسي، يتجلّى ذلك في إجراءات متأخرة، مثل برامج الاحتفاظ بالكفاءات بشكل ظرفي أو إصلاحات يتمّ إطلاقها تحت الضغط.
  • المرونة الاستباقية: وتتمثّل في توقّع التحوّلات قبل أن تتحوّل إلى أزمات. ويكمن الهدف هنا في فهم تطلّعات الكفاءات، وتحسين ظروف العمل، والاستثمار في الابتكار، وتهيئة بيئة مستقرة وجاذبة.

تُبرز الدراسة أنّ غياب الاستشراف يُفاقم نزيف الكفاءات: فعندما تأتي الاستجابات متأخّرة، تكون قرارات التنقّل قد اتُّخذت بالفعل. ومن ثمّ، فإنّ اعتماد مقاربة استباقية لا يتيح فقط فهم التحوّلات المرتقبة، بل يتيح بالأساس التحرّك قبل أن يصبح رحيل الكفاءات أمرًا لا رجعة فيه.

رهان استراتيجي بالنسبة لتونس

لا تمثّل هجرة الكفاءات خسارة فردية فحسب، بل لها تأثير مباشر على رأس المال البشري المتاح، وعلى القدرة على الابتكار، وعلى إمكانات النمو على المدى الطويل.

وبالنسبة للبلاد، يُعدّ اعتماد مرونة استراتيجية استباقية رافعة أساسية، وذلك من خلال جملة من الإجراءات العملية:

  • تحسين جودة المعلومات وتعزيز اليقظة الاستراتيجية؛
  • تدعيم قدرة المؤسسات والمنظمات على التكيّف؛
  • إرساء سياسات عمومية ذات توجّه طويل المدى.

وبذلك، يصبح الاستشراف عنصرًا حاسمًا للاحتفاظ بالكفاءات وتقليص الفجوة بين التسارع الكبير في تطوّر البيئة المحيطة وبطء الاستجابات المؤسسية.

ليست هجرة الكفاءات قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة فجوة بين تطلّعات الكفاءات وقدرة البلاد على توفير ظروف جاذبة ومستقرة.

ومن شأن تطوير مرونة استراتيجية استباقية أن يحوّل هذا التحدّي إلى فرصة، من خلال التحرّك قبل أن تصبح المغادرة أمرًا لا رجعة فيه، وتعزيز إمكانات التنمية في تونس.

ايكوتوس

للاطلاع على المقال:

“La flexibilité stratégique proactive et réactive pour faire face à la turbulence de l'environnement : le cas de la fuite des cerveaux en Tunisie” من إعداد فادية بحري القربي، باحثة في علوم التصرف، منشور في مجلة Gérer & comprendre، العدد 4 لسنة 2021 (عدد 146)، الصفحات 39-50، منشورات Institut Mines-Télécom، ISSN 0295-4397.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *