يعتبر 87% من المديرين التونسيين أن العمل “مهم جداً” في حياتهم، وهي نسبة تفوق بكثير نظراءهم الأوروبيين. ومع ذلك، عندما يعمل التونسيون والأوروبيون معاً داخل نفس المؤسسة، تتراكم حالات سوء الفهم. ليس بسبب سوء نية، بل لأن كل طرف يتحدث ويفكر ويدير وفق شيفرة ثقافية غير مرئية لا يعرفها الطرف الآخر.
تخيّل هذا المشهد: مدير فرنسي وصل حديثاً إلى تونس يحدد اجتماعاً على الساعة التاسعة صباحاً. عند الساعة 9:20، لا يزال بعض الموظفين يدخلون القاعة. لا أحد يعتذر فعلياً. ثم ينحرف النقاش نحو مواضيع شخصية قبل الدخول في جدول الأعمال. بالنسبة له، هذا فوضى. بالنسبة لهم، هذا دفء إنساني. كلاهما على حق، وهنا تحديداً تبدأ التعقيدات.
هذا المثال ليس عابراً، بل يعكس ظاهرة موثقة جيداً: اختلاف أساليب الإدارة المرتبطة بالثقافة. وهي حقيقة تؤثر بشكل كبير على أداء المؤسسات وعلى التبادلات الاقتصادية بين تونس وأوروبا. وهذا ما تكشفه الدراسة التي أُجريت على خمس مؤسسات تونسية، عمومية وخاصة، حيث جاءت نتائجها في بعض الأحيان مفاجئة.
الزمن، الفضاء، والكلام: ثلاثة عوالم لا تلتقي دائماً
لفهم مصدر هذه الاحتكاكات، يجب العودة إلى عناصر ملموسة جداً: طريقة تنظيم كل ثقافة للزمن، والفضاء، والكلام. اختلافات تبدو غير مرئية، لكنها حاسمة في الحياة المهنية اليومية.
في ثقافات شمال أوروبا، يُنظر إلى الزمن كعنصر خطي وثمين، يكاد يكون مقدساً. يتم إنجاز مهمة واحدة في كل مرة، واحترام الآجال بدقة، وتوثيق كل شيء. الالتزامات ترتبط بالمواعيد والمدد. ويُطلق المختصون على هذا النمط اسم ثقافة أحادية الزمن (Monochronique).
أما في تونس، فيعمل الزمن بطريقة مختلفة. إذ يتم التعامل مع عدة مهام في آن واحد، ويمكن مقاطعة العمل بسبب طارئ اجتماعي، كما تُعدَّل الخطط حسب الأشخاص الحاضرين. الالتزامات هنا ترتبط أولاً بالعلاقات الإنسانية، لا بالجداول الزمنية. ويُعرف هذا النمط بـ ثقافة متعددة الزمن (Polychronique).
ولا تُعد أي من الثقافتين أفضل من الأخرى، لكن عندما تلتقيان دون وعي بهذه الفوارق، تنشأ حالة من الإحباط لدى الطرفين.
وينطبق الأمر نفسه على التواصل. ففي المجتمعات الجماعية – ومنها تونس – يُتجنب قول “لا” بشكل مباشر تفادياً لإحراج الطرف الآخر. فعبارة “سأبذل جهدي” لا تعني بالضرورة “نعم”، بل هي طريقة مهذبة للتعبير عن عدم القدرة. بينما قد يفسرها الطرف الأوروبي، المعتاد على لغة مباشرة وواضحة، على أنها موافقة، ليُفاجأ لاحقاً بعدم تحقق التقدم.

العائلة، الدين، والهرمية: ما الذي يخفيه فعلاً نمط الإدارة في تونس؟
وراء هذه الاختلافات في الإيقاع وطريقة التواصل، يكمن أمر أعمق: منظومة قيم مختلفة جذرياً. فحسب “المسح العالمي للقيم” (2010-2014)، تُعد تونس من بين البلدان التي يُمنح فيها العمل قيمة عالية جداً. غير أن هذه العلاقة مع العمل تندرج ضمن إطار تحتل فيه العائلة والدين مكانة مركزية، حيث تتجاوز نسبة الأهمية الممنوحة للدين 94%، مقابل أقل من 40% في أوروبا.
في المؤسسات التونسية التي شملتها الدراسة، خاصة العمومية منها، يقوم الإحساس بالانتماء الجماعي على قيم عائلية ودينية مشتركة. إذ يُنتظر من المسؤول المباشر أن يؤدي دوراً يكاد يكون أبوياً، قائماً على الحماية والتقدير. كما تُقدَّم الولاء أحياناً على مؤشرات الأداء الكمية.
بالنسبة لمدير أوروبي، قد يبدو هذا النمط غير مهني. لكن تجاهله له كلفة حقيقية. فالمسؤولون الأجانب الذين يتجاوزون الشبكات غير الرسمية في تونس — والتي تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الهيكل التنظيمي الرسمي – يجدون أنفسهم معزولين عن تدفقات المعلومات الأساسية. وقد عبّر عدد من المديرين الفرنسيين الذين شملهم الاستطلاع عن هذا الإحساس بـ“عدم التحكم في المعلومة”، دون أن يدركوا أن السبب ببساطة هو عدم استثمارهم في العلاقات المناسبة.

كيف يمكن العمل معاً؟ بعض المسارات العملية
الخبر الجيد هو أن هذه الفجوات ليست مستعصية على الحل. فالشراكات الناجحة تشترك في نقطة أساسية: بناء ثقافة مشتركة، ليس عبر طمس الاختلافات، بل من خلال الاعتراف بها بشكل صريح.
يبدأ ذلك أولاً عبر التكوين في التواصل بين الثقافات لكلا الطرفين. ففهم أسباب سلوك الطرف الآخر يغيّر جذرياً طريقة تفسير المواقف: ما يبدو فوضى قد يُفهم كمرونة، وما يبدو جموداً قد يُدرك كفعالية.
ثم يأتي دور وضع ميثاق سلوك مشترك، لا يُفرض من الأعلى، بل يُبنى بالتعاون مع الفرق المحلية. قواعد واضحة حول مسائل عملية: كيف يتم الإبلاغ عن التأخير؟ كيف يُعبَّر عن الاختلاف في الرأي؟ كيف تُتخذ القرارات الجماعية؟ فالميثاق المنفصل عن الواقع لا يولّد إلا عدم الثقة.
وأخيراً، وربما الأهم: أصبح التحكم في الفوارق الثقافية اليوم ميزة تنافسية حقيقية. فالمؤسسات القادرة على التنقل بسلاسة بين عالمين من الأعمال تتمكن من الوصول إلى أسواق وكفاءات وفرص لا تراها المؤسسات الأخرى.
حنان خنشال -دكتورة محاضرة مؤهلة (HDR) في علوم التصرف، أستاذة مساعدة بالمعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاجكريم بن كحلة– أستاذ بالمدرسة العليا للتجارة، جامعة منوبة
للاطلاع على الدراسة:
“Intercultural Management between Tunisia and Europe”, publiée dans le Journal of Business Administration Research, 2018, Vol. 7, No. 2.