جيران اثنان، مصيران مختلفان: الفجوة غير المرئية للتنمية في تونس

8 Min Lire

في تونس، لا تتمثل الفوارق التنموية فقط بين الشمال والجنوب، أو بين الساحل والداخل. بل تظهر أيضاً داخل الولاية الواحدة، وأحياناً بين معتمدتين تفصل بينهما بضعة كيلومترات فقط. وهذا ما تُظهره دراسة نُشرت في جانفي 2025 في مجلة Espace Géographique et Société Marocaine، بأرقام تدعو إلى التفكير.

طفلان وُلدا في السنة نفسها، وفي الولاية نفسها. ينشأ أحدهما في معتمدية مركز الولاية، المجهزة بشكل أفضل والمربوطة بالبنية الأساسية. بينما يكبر الآخر في معتمدية هامشية تبعد عشرات الكيلومترات فقط. الأول يحظى بفرص أكبر للالتحاق بالجامعة، وللحصول على رعاية طبية متخصصة، وللعثور على عمل، والعيش في مسكن مزوّد بالماء الصالح للشرب. أما الثاني، فيواجه أقساماً مكتظة، وخدمات صحية محدودة، وسوق شغل شبه منعدم، وأحياناً حتى غياب شبكات التطهير.

وهذا ليس مجازاً، بل ما يكشفه عمل الباحث عصام البريكي، الجغرافي والاقتصادي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس. إذ تُظهر دراسته، المبنية على بيانات الإحصاء العام للسكان في تونس لسنة 2014 وعلى إحصاءات الوزارات المعنية، أن الوجه الحقيقي للفوارق في تونس هو وجه محلي، متجذر في أقرب مستوى ترابي (المعتمدية)، وأنه يظل غالباً غير مرئي في الخطابات الكبرى حول التنمية الوطنية.

ولفهم حجم الوضع، يكفي المرور عبر ثلاث واقع يومية: التعليم، والصحة، والتشغيل، ثم ظروف العيش الأساسية. وفي كل مرحلة، يفرض نفس الاستنتاج نفسه.

حين تعيد المدرسة إنتاج الفوارق التي يفترض أن تقلصها

تُفترض المدرسة أن تكون “المُعادل الأكبر” داخل المجتمع. غير أنها في تونس تعكس بدورها اختلالات المجال بقدر ما تحاول تقليصها. ففي ولاية تونس، يبلغ معدل التمدرس لدى الشباب بين 19 و24 سنة 75.89% في المنزه، بينما لا يتجاوز 34.24% في سيدي حسين، داخل نفس الإطار الإداري. ويظهر نفس الفارق في ولاية أريانة: 73.07% في المدينة مقابل 30.52% في قلعة الأندلس. كما يتكرر المشهد في سوسة: 60.89% في سوسة المدينة مقابل 20.95% في كندار.

ويتبع الأمية المنطق الترابي نفسه. ففي أريانة المدينة، لا تتجاوز نسبة الأمية 4.40% لدى السكان الذين تفوق أعمارهم 10 سنوات. بينما ترتفع في حي التضامن إلى 17.27%. أما في نفزة من ولاية باجة، فتبلغ 39.74%، أي ما يقارب عشرة أضعاف نسبة أريانة المدينة.

كما أن ظروف التعليم تعمّق هذا التفاوت أكثر. إذ تسجل المعتمديات الأكثر هشاشة نسباً أعلى بكثير في عدد التلاميذ داخل القسم: 30.67 في سيدي حسين مقابل 24.18 في تونس المدينة. ويزيد ضعف التغطية بالإنترنت داخل المؤسسات التربوية من حدة الفجوة: 77.73% في المنزه مقابل 26.36% في البطان. وتنعكس هذه الفوارق مباشرة على نتائج البكالوريا: 75.79% نسبة النجاح في المنزه مقابل 32.31% في سيدي حسين، ما يكشف أن الانتماء الجغرافي قد يؤثر في المسار التعليمي للشاب التونسي بقدر ما يؤثر فيه الجهد الفردي، إن لم يكن أكثر.

هذه الفوارق المدرسية ليست معزولة، بل تندرج ضمن اختلال أوسع يشمل أيضاً الولوج إلى الصحة وفرص التشغيل.

العلاج والعمل: حقوق مرتبطة بالعنوان

في ولاية أريانة، تملك المعتمدية المركزية 316 طبيباً عاماً، بينما لا يتوفر في قلعة الأندلس سوى طبيب واحد فقط. وفي المنستير، تضم المعتمدية المركزية 97 طبيباً مختصاً مقابل 3 فقط في الساحلين. أما في بعض المناطق الريفية مثل بوزيان، وفرنانة، والمحمدية، فلا يوجد أي طبيب مختص على الإطلاق. بل إن هذا النقص مرشح للتفاقم مع هجرة الأطباء نحو المدن الكبرى وتزايد حالات التقاعد السنوية، مما يسرّع في تعميق “التصحر الطبي” بهذه المناطق.

ولا يختلف الوضع في القطاع الصحي الاستشفائي. ففي ولاية تونس، لا تحتوي 14 معتمدية من أصل 21 على أي مستشفى. وفي سوسة، 6 معتمديات من أصل 16 محرومة من المستشفيات، وفي صفاقس 9 من أصل 16. أما المصحات الخاصة فتتمركز بدورها في المعتمديات الأكثر تطوراً، مما يزيد من صعوبة النفاذ إلى الخدمات الصحية بالنسبة لسكان المناطق الهامشية.

ويعيد سوق الشغل إنتاج النمط نفسه من التمركز. إذ يتراوح معدل البطالة بين 3.24% في المنزه و22.34% في جبل الجلود داخل ولاية تونس نفسها. وفي ولاية قفصة، يتسع الفارق أكثر: 10.78% في قفصة الشمالية مقابل 35.86% في المتلوي. كما تسجل بطالة النساء مستويات مقلقة في المناطق الأكثر تهميشاً، حيث تبلغ 67.7% في ذهيبة و67.6% في الرديف، وهو ما يُفسَّر جزئياً بضعف التنقل الجغرافي للنساء وغياب فرص العمل المحلية.

كما أن القطاع الصناعي، الذي يُعد محركاً تقليدياً للتشغيل، يخضع بدوره لنفس منطق التمركز. ففي صفاقس، تستحوذ معتمدية المدينة وحدها على 47% من المساحة الصناعية الإجمالية للولاية. وفي زغوان، تحتضن بئر مشارقة 113 مؤسسة صناعية، بينما لا تضم معتمدية الصواف سوى 6 مؤسسات فقط.

وإذا كانت المدرسة والصحة والتشغيل ترسم بالفعل جغرافيا غير متكافئة بعمق، فإن ظروف العيش اليومية تأتي لتكمل هذا المشهد، بل وتزيد من حدته.

الماء، التطهير، والرقمنة: الفجوة داخل البيوت نفسها

قد يبدو الوصول إلى الماء الصالح للشرب حقاً بديهياً وشاملاً، لكنه في الواقع متفاوت بشكل كبير: من 98.12% في صفاقس المدينة إلى 45.25% في بئر علي بن خليفة. وفي المناطق الداخلية، قد يتجاوز الفارق بين المعتمديات 58 نقطة مئوية.

أما شبكات التطهير، فتكشف صورة أشد تفاوتاً: ففي قابس المدينة، ترتبط 94.82% من المساكن بالشبكة، بينما لا يتجاوز هذا المعدل 2.13% في مطماطة. وفي بعض المناطق مثل الشبيكة، يغيب الربط تماماً، حيث تُصرَّف المياه المستعملة في الحفر الصحية، مما يشكل خطراً حقيقياً على المياه الجوفية.

إلى هذه الفجوات المادية، تضاف فجوة رقمية تحدد ملامح المستقبل

في سوسة المدينة، تبلغ نسبة الأسر المتصلة بالإنترنت 54.09%، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 5.11% في سيدي الهاني. وفي عالم أصبحت فيه المعرفة، وفرص العمل، والإجراءات الإدارية تمر بشكل متزايد عبر الشاشات، فإن هذا التفاوت في الولوج ليس مجرد مسألة رفاهية، بل عامل من عوامل الإقصاء طويل الأمد.

حتى المساعدات الاجتماعية، التي يفترض أن تخفف من حدة هذه الاختلالات، لا تنفصل عن المنطق الترابي نفسه. إذ تتركز الإعانات الموجهة للعائلات المعوزة في معتمديات مراكز الولايات، في حين تبقى الأسر الريفية الأكثر هشاشة خارج نطاق هذه البرامج، بسبب اختلالات في آليات التعريف والاستهداف. وتؤكد دراسة للبنك الدولي هذا الواقع، إذ تشير إلى أن 12.6% فقط من التونسيين ضمن أفقر 20% من السكان يستفيدون من البرنامج الوطني لإعانة العائلات المعوزة.

وفي ختام هذا المسار التحليلي لأرقام الباحث عصام البريكي، تتضح حقيقة أساسية: أصبح المجال الترابي في تونس محدداً رئيسياً لمصير الفرد. فمجرد الولادة في معتمدية معينة بدل أخرى يعني التمتع أو الحرمان من فرص متباينة في التعليم، والصحة، والشغل، والماء، والرقمنة.

وهذه الفوارق ليست قدراً طبيعياً، بل نتيجة خيارات في توزيع الموارد العمومية، وسياسات بنية تحتية لم تُعمَّم بشكل كافٍ، وإرادة سياسية لم تجد بعد سبل التنفيذ الفعلي. فالإصلاحات موجودة على الورق، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تطبيقها فعلياً، بدقة واستمرارية وعدالة مجالية.

إذ ما دام طفلان من نفس الولاية لا يتمتعان بنفس الفرص منذ البداية، فلن تكون أي سياسة نمو قادرة على أن تكون شاملة بحق.

إيكوتوس

للاطلاع على الدراسة

Les disparités locales du développement en Tunisie : Étude des principaux indicateurs socio-économiques”, من إعداد عصام البريكي، متخصص في الجغرافيا الاقتصادية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، جامعة صفاقس، منشورة في مجلة Espace Géographique et Société Marocaine، العدد 94، جانفي 2025.

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *