كيف نختار التأمين على الحياة؟ لقد قدّمت الأبحاث الأكاديمية أخيرًا إجابة بسيطة

6 Min Lire

عند توقيع عقد تأمين على الحياة، فإننا نمنح ثقتنا. لكن هل تقوم هذه الثقة على أسس متينة حقًا؟ تكشف دراسة مرجعية حول شركات التأمين في تونس عن العوامل الحقيقية التي تميّز بين الشركات القوية وتلك الهشّة، وتأتي نتائجها لتقلب الأفكار السائدة رأسًا على عقب.

إن الاكتتاب في تأمين على الحياة يُعدّ بمثابة رهان على متانة جهةٍ مالية على المدى الطويل جدًا. إذ نُوكل إليها جزءًا من دخلنا مقابل وعدٍ بالحماية (لأنفسنا أو لأحبّائنا) عند الحاجة. لكن وراء هذا الوعد، ما الذي يضمن فعلاً أن شركة التأمين ستظل قائمة وقادرة ماليًا عندما نحتاج إليها؟

في تونس، يفوق قطاع التأمين على الحياة ما قد نتصوّره من حيث الأهمية. ففي سنة 2014، تجاوزت الأقساط التي جُمعت على مستوى السوق بأكمله 1.5 مليار دينار، مع نمو فاق 10٪ خلال عام واحد. كما بلغت المبالغ التي استثمرتها هذه الشركات في الاقتصاد الوطني أكثر من 3 مليارات دينار، وهو وزن مالي معتبر، غالبًا ما يظل غير مرئي بالنسبة لعامة الناس.

وفي هذا السياق تحديدًا، قامت دراسة أكاديمية أعدّها أحمد برتاجي وسعاد الحمّامي، ونُشرت في مجلة International Journal of Economics, Commerce and Management، بتحليل بيانات تمتدّ لعشر سنوات حول ثماني من أبرز مؤسسات القطاع، وذلك خلال الفترة من 2005 إلى 2014. وقد أفرز هذا التحليل ثلاث خلاصات رئيسية تستحق أن تُعرَف على نطاق أوسع بكثير من الأوساط الأكاديمية.

الأقدمية والنمو: ركيزتان لا تحظيان بالاهتمام الكافي


أول خلاصة: تاريخ شركة التأمين هو أفضل أصولها. فكلما كانت المؤسسة أقدم، كلما أظهرت ربحية أكثر متانة. الشركة التي وُجدت منذ عقود استطاعت أن تتجاوز اضطرابات مختلفة (من بينها سنة 2011 التي كانت صعبة بشكل خاص على القطاع في تونس)، وذلك عبر تحسين إدارة المخاطر، وتعزيز قاعدة عملائها، وبناء مصداقية تحتاج الشركات الحديثة إلى سنوات طويلة لاكتسابها. فالخبرة في هذا القطاع تتحوّل مباشرة إلى أداء مالي.

ومن بين شركات التأمين التي شملتها الدراسة، بلغ متوسط العمر 33 سنة، مع تفاوت كبير يتراوح بين 3 سنوات و65 سنة من النشاط. وهذا التنوّع يبرز بوضوح الميزة التي يمنحها عامل الزمن في هذا السوق.

وهذا العامل الأول يقود طبيعيًا إلى عامل ثانٍ: الديناميكية التجارية. فكلما نجحت شركة التأمين في استقطاب عملاء جدد وزيادة مداخيلها، تحسّنت وضعيتها المالية. إذ تُعدّ الأقساط التي يدفعها المؤمن لهم المحرّك الاقتصادي الأساسي لهذا النموذج. وبالتالي، فإن النمو لا يعني فقط كسب حصص في السوق، بل أيضًا تعزيز المتانة المالية بشكل ملموس. غير أنّه، ورغم تأثير هذين العاملين الإيجابي، فإن نتيجة ثالثة جاءت لتناقض فكرة شائعة على نطاق واسع.

الحجم: الفخ الذي لم يكن أحد يتوقّعه

هذه هي النتيجة الأكثر لفتًا للانتباه. فعلى عكس ما قد يُعتقد، فإن كبرى شركات التأمين في تونس ليست الأكثر ربحية. بيانات الدراسة واضحة: كلما كبر حجم الشركة، تراجع أداؤها المالي. بل إن المؤسسات متوسطة الحجم هي التي تحقق أفضل النتائج.

ويعود ذلك إلى طبيعة عمل المؤسسات الكبرى نفسها: تكاليف تشغيل أعلى، بطء في اتخاذ القرار، وتراكم للجمود مع التوسع. في المقابل، تحتفظ المؤسسات الأصغر بمرونة أكبر تنعكس مباشرة على نتائجها. وهذا التناقض ليس حكرًا على هذا القطاع، بل يُلاحظ أيضًا في قطاعات مالية أخرى حول العالم، وهو ما يستدعي الحذر من الخطابات التي تمجّد الاندماجات والتجميع باعتبارها ضمانًا للقوة.

وبالنسبة للجهات التنظيمية في تونس، يطرح هذا الأمر تساؤلًا صريحًا: هل من المجدي حقًا تشجيع عمليات الدمج على حساب التنوّع والمرونة؟ تشير هذه الدراسة إلى أن الإجابة هي: لا. لكن، إلى جانب هذا التناقض، تكشف الأرقام أيضًا عن مفاجأة أخرى.

 ما الذي تُغفله البيانات، وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك

قامت الدراسة بتمحيص عوامل أخرى يُشار إليها غالبًا باعتبارها محدِّدة للأداء: مستوى المديونية، القدرة على الإيفاء بالالتزامات الفورية، الأصول المادية المملوكة، ومستوى التعرّض العام للمخاطر. وجاء الحكم قاطعًا: لا يفسّر أيّ من هذه العناصر بشكل ذي دلالة الفوارق في الربحية بين مختلف الشركات.

ما تكشفه هذه النتائج ضمنيًا لا يقل أهمية عمّا تصرّح به صراحة. فمتانة شركة التأمين على الحياة لا تُقاس بالمؤشرات المحاسبية التقليدية. بل تُبنى عبر الزمن، ومن خلال القدرة على النمو وكسب ولاء العملاء، لا من خلال الحجم أو تعقيد الهياكل التنظيمية.

بالنسبة للمؤمَّن لهم، تحمل هذه الخلاصة رسالة عملية يمكن تطبيقها فورًا: قبل اختيار التأمين على الحياة، انظر إلى تاريخ الشركة، وأقدميتها في السوق، ومسارها التجاري. فهذه المؤشرات غالبًا ما تعكس موثوقيتها المستقبلية بشكل أفضل من أي ميزانية مالية. لأن الثقة في مجال التأمين على الحياة لا تُمنح بسهولة، بل تُكتسب وتُبنى على المدى الطويل.

ايكوتوس

للاطلاع على الدراسة

“The Determinants of the Performance of the Life Insurance Companies in Tunisia”،
من إعداد أحمد برتاجي وسعاد الهمّامي، منشورة في International Journal of Economics, Commerce and Management، المجلد الرابع، العدد 7، جويلية 2016،
ISSN: 2348-0386، ومتاحة على الموقع: http://ijecm.co.uk/، برخصة المشاع الإبداعي

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *