تذاكر بأسعار أقل، وجهات جديدة، ورحلات أكثر تكرارًا… لقد غيّر تحرير النقل الجوي بشكل عميق طريقة السفر. غير أنّ هذه الحرية الظاهرة تخفي وراءها آثارًا أكثر تعقيدًا على السياحة والاقتصاد ممّا قد يبدو للوهلة الأولى.
لقد أصبح السفر بالطائرة أمرًا عاديًا اليوم، لكنّه لم يكن كذلك في الماضي القريب، حيث كان يُعدّ من الكماليات. فقد كانت الأسعار مرتفعة، والوجهات محدودة، وشركات الطيران خاضعة لرقابة صارمة من قبل الدول.
كلّ ذلك تغيّر مع تحرير قطاع النقل الجوي. فمن خلال فتح الأجواء أمام عدد أكبر من شركات الطيران وتعزيز المنافسة، سعت العديد من الدول إلى جعل السفر أكثر سهولة وإلى دعم جاذبيتها السياحية.
غير أنّ هذه الانفتاح لا يفضي إلى نفس النتائج في جميع البلدان. ففي حين شهدت بعض الدول انتعاشًا ملحوظًا في قطاع السياحة، لا تزال دول أخرى تواجه صعوبات في تحقيق الاستفادة الكاملة من هذه التحولات. وفهم أسباب ذلك يساهم في إدراك الروابط الوثيقة بين النقل الجوي والسياسات العمومية والتنمية السياحية.
إنّ فتح الأجواء يعني تحفيز حركة السفر…

يرتكز تحرير النقل الجوي على فكرة بسيطة: فكلما اشتدت المنافسة، زاد عدد الرحلات وانخفضت الأسعار في الغالب. ومن خلال السماح لعدة شركات طيران بالعمل على نفس الخطوط، تصبح الأسواق أكثر حركية وديناميكية.
في العديد من الوجهات، تُرجم هذا الانفتاح إلى زيادة سريعة في حركة النقل الجوي. وقد لعبت شركات الطيران منخفضة التكلفة دورًا محوريًا في ذلك، من خلال استقطاب مسافرين جدد وجعل السفر الجوي في متناول فئات أوسع من الناس.
والنتيجة: تزايد عدد الرحلات، وتطوّر السفرات القصيرة، وأصبحت بعض الوجهات متاحة على مدار السنة. وهكذا يتحوّل النقل الجوي إلى رافعة حقيقية لنمو القطاع السياحي.
لكنّ هذه الآثار تختلف من بلد إلى آخر

غير أنّ فوائد فتح الأجواء لا تتوزّع بشكل متساوٍ. فالدول التي تمتلك بالفعل مطارات ذات أداء عالٍ وعرضًا سياحيًا منظّمًا تستفيد من هذه الانفتاح بسرعة أكبر.
أمّا في سياقات أخرى، فتكون النتائج أكثر تباينًا. إذ يمكن لدخول شركات طيران أجنبية كبرى أن يُضعف الناقلين الوطنيين، خاصة عندما يفتقرون إلى القدرة التنافسية. كما أنّ مختلف فئات السياح لا تتفاعل بنفس الطريقة مع انخفاض الأسعار.
فالمسافرون الذين يتنقّلون لزيارة عائلاتهم أو أقاربهم يُعدّون الأكثر تأثرًا بتكاليف النقل. في المقابل، فإنّ السياحة ذات القيمة المضافة العالية تعتمد أيضًا على عوامل أخرى، مثل جودة الخدمات، ومستوى السلامة، وجودة الإيواء، وتنوّع التجارب المقدّمة.
وعليه، فإنّ فتح الأجواء يسهّل التنقّل، لكنه لا يكفي وحده لخلق وجهة سياحية جاذبة.
الدور الحاسم للسياسات العمومية

يُحقّق فتح قطاع النقل الجوي نتائج أفضل عندما يندرج ضمن رؤية عمومية شاملة، عابرة للقطاعات، قائمة على الإرادة والانسجام. إذ تحتفظ الدول بدور محوري يتمثّل في تحديث المطارات، وضمان قواعد منافسة عادلة، ومرافقة الفاعلين المحليين، وتحسين جودة الاستقبال السياحي.
وفي غياب هذه العناصر، قد يؤدّي التحرير إلى نتائج محدودة، بل وأحيانًا غير متوازنة. أمّا عندما يتمّ تأطيره بشكل جيّد، فإنّه يساهم في تنويع الأسواق، وتقليص الاعتماد على عدد محدود من الخطوط الجوية، وتعزيز قدرة القطاع السياحي على الصمود في مواجهة الأزمات. وعليه، فإنّ فتح الأجواء يُعدّ خيارًا استراتيجيًا. فهو ليس حلًا سحريًا، بل أداة فعّالة عندما تُستخدم بمنهجية واستشراف.
أيمن غديرة – جامعة سوسة، المعهد العالي للنقل واللوجستيك (ISTL) مخبر البحث LaREMFiQ-
فريديريك دوبروسكيس – الجامعة الحرة ببروكسل (ULB)، كلية العلوم، IGEAT
فيرونيك موندو – جامعة أنجيه، UMR-CNRS 6590، ESO- الفضاءات والمجتمعات م
للاطلاع على الدراسة:
“Assessing the impacts of aviation liberalisation on tourism” - Journal of Transport Geography".