يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا في المسارات المهنية للشباب من حاملي الشهادات. لكن، إلى جانب المهارات التقنية، تظل العواطف -مثل الثقة، والتحفيز، والخوف – العامل الحقيقي الذي يحدد كيفية تبني هذه التكنولوجيا وتوظيفها في ريادة الأعمال.
يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأحد أبرز الثورات في عصرنا. ومع ذلك، فإن اعتماده لا يعتمد فقط على الخوارزميات أو التكوين التقني، بل يقوم أيضًا على عامل أكثر خفاءً لكنه لا يقل أهمية: العواطف الإنسانية. وهذا ما تُبرزه الدراسة المعنونة «تأثير المهارات الاجتماعية-العاطفية على نية إدماج الذكاء الاصطناعي في المشاريع الريادية المستقبلية لدى الشباب من حاملي الشهادات»، المنشورة سنة 2024 في المجلة الدولية لعلوم التصرف، والتي أنجزتها مروة بلغيث، طالبة دكتوراه في التصرف بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بجامعة صفاقس.
بين الانبهار والتخوّف، يثير الذكاء الاصطناعي ردود فعل متباينة لدى الشباب من حاملي الشهادات. فالبعض يراه فرصة للإبداع والابتكار وإطلاق المشاريع، بينما يعتبره آخرون تهديدًا معقدًا يصعب التحكم فيه. غير أنّ الدراسة تُظهر أن العامل الحاسم لا يكمن في هذه التصورات فقط، بل في مستوى التحفيز، والثقة بالنفس، والقدرة على إدارة العواطف، وهي عناصر تؤثر بشكل مباشر على قرار إدماج الذكاء الاصطناعي (أو عدم إدماجه) في مشروع ريادي.

العواطف: بين كونها عامل دعم أو عائق أمام الذكاء الاصطناعي
إن اعتماد تكنولوجيا جديدة ليس أمرًا محايدًا أبدًا. فالفضول، والخوف، والحذر تشكّل بشكل مباشر الموقف من الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لنتائج الدراسة التي أعدّتها مروة بلغيث والمنشورة في المجلة الدولية لعلوم التصرف، فإن الشباب القادرين على التعرف على مشاعرهم وتنظيمها يتمكنون بسهولة أكبر من تحويل حالة عدم اليقين إلى فرصة للتعلّم، والجِدّة إلى فرصة حقيقية.
في المقابل، قد يؤدي ضعف الثقة بالنفس أو محدودية الإلمام بالأدوات الرقمية إلى تغذية الشكوك وجعل الذكاء الاصطناعي مصدر رهبة بدلًا من أن يكون أداة مفيدة. وهنا تصبح القدرة على التحكم في العواطف ميزة استراتيجية حقيقية، إذ تتيح التجربة، والتكيف مع التحولات التكنولوجية، والتقدم دون الشعور بالتفوق الذي تفرضه الآلة.

الذكاء العاطفي: رافعة للعمل والنجاح الريادي
لا تقتصر العواطف على كونها عامل عائق أو محفّز فردي فقط، بل تمثل أيضًا محركًا قويًا للابتكار والعمل الريادي. فالدافعية الداخلية (أي التعلم والتجربة بدافع الاهتمام وليس الإكراه) تعزز تبني التكنولوجيات الناشئة. كما تساعد الوعي بالذات وتنظيم العواطف على مواجهة الضغوط، وهي واقع ملازم لأي مسار ريادي.
لكن ريادة الأعمال لا تتم بشكل فردي. فالمهارات العلائقية (مثل التعاطف، والإنصات، والتواصل) ضرورية للعمل ضمن فريق، وتحفيز الإبداع، وبناء الثقة. وكما يوضح المقال «تأثير المهارات الاجتماعية-العاطفية على نية إدماج الذكاء الاصطناعي في المشاريع الريادية المستقبلية لدى الشباب من حاملي الشهادات»، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه تسريع معالجة المعلومات، لكنه لا يعوّض الذكاء الجماعي ولا التعاون البشري.

جيل يحتاج إلى تكوين مختلف
لتمكين الشباب من حاملي الشهادات من الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري تجاوز التكوين التقني فقط. فمعرفة البرمجة أو إتقان برنامج معين لم تعد كافية. بل يجب أيضًا تعلم فهم العواطف، وإدارة الضغط، والتواصل بتعاطف.
تلعب الجامعات، والمدارس، وحاضنات الأعمال دورًا محوريًا في هذا المجال. فتنمية المهارات الاجتماعية-العاطفية، كما توصي به الدراسة المنشورة سنة 2024 في المجلة الدولية لعلوم التصرف، تعني إعداد جيل قادر على الابتكار بشكل مسؤول، دون فقدان البعد الإنساني للتكنولوجيا.
في الاقتصاد الرقمي، تصبح هذه النضج العاطفي مهارة أساسية، إذ يحدد كلًا من النجاح الريادي والقدرة على التكيف على المدى الطويل.

يُغيّر الذكاء الاصطناعي أدواتنا، ومهننا، وطرق تفكيرنا. لكنه يكشف قبل كل شيء حقيقة أساسية: تظل العواطف البوصلة التي توجه الابتكار. فالشباب الذين يتعلمون فهمها وتوجيهها لا يكتفون بمواكبة الثورة الرقمية، بل يساهمون في تشكيلها. وفي سباق الأداء، لن تكون الأفضلية الحاسمة للخوارزميات، بل لأولئك الذين يعرفون كيف يحققون التوازن بين العقل والعاطفة.
إيكوتوس
الاطلاع على المقال
“L’influence des compétences socio-émotionnelles sur l’intention d’incorporer l’intelligence artificielle dans les futurs projets entrepreneuriaux des jeunes diplômés”,من إعداد مروة بلغيث، طالبة دكتوراه في التصرف بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بجامعة صفاقس؛ منشور في المجلة الدولية لعلوم التصرف (2024).