الاستثمار في تونس: تحدّي الثقة – تحليل للعوائق والدوافع الخفية

5 Min Lire

الاستثمار، المحرك الأساسي لأي اقتصاد، يخلق فرص عمل، يعزز الإنتاجية، ويُمهّد لنمو المستقبل. ومع ذلك، في تونس، لا يزال الاستثمار يكافح من أجل الانطلاق الحقيقي. فما السر وراء هذا الركود؟ يقدم هذا العمل قراءة واضحة للعوامل التي تؤثر على قرارات الاستثمار في بلادنا.

منذ نهاية الثمانينيات، شرعت تونس في سلسلة إصلاحات تهدف إلى تحفيز الاستثمار الخاص ودعم المؤسسات. فالاستثمار ليس مجرد فعل اقتصادي فحسب، بل هو قلب النشاط النابض، ورافعة التحديث، وتطوير البُنى التحتية، وخلق فرص العمل.

لكن الأرقام تحكي قصة مختلفة. بعد فترة من النشاط في بداية العقد 2010، انخفض معدل الاستثمار بشكل واضح، من أكثر من 20٪ من الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 11٪ في عام 2020. ويُعزى هذا الانخفاض أساسًا إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الذي تفاقم مع أزمة كوفيد-19.

تتناول الدراسة بعنوان: “Revisiting the Determinants of Investment: The Case of Tunisia”، المنشورة في Estudios de Economía Aplicada (2023) عبر HALL Science Ouverte، والتي أعدتها نسرين الدردوري، عبد القادر أقير، رمزي فرحاني ومنير صميدة من جامعة سوسة، سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يتبع الاستثمار النمو؟ وما هي المحددات الحقيقية التي تدفع أو تعيق الفاعلين الاقتصاديين للاستثمار في تونس؟

النمو: محرك أم عائق للاستثمار؟
أول ملاحظة: الاستثمار والنمو الاقتصادي مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. تُظهر البيانات أن زيادة بنسبة 1٪ في معدل النمو تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في الاستثمار. بعبارة أخرى، عندما تتحسن حالة الاقتصاد، يستعيد المستثمرون ثقتهم ويطلقون مشاريعهم.

لكن العكس صحيح أيضًا: بمجرد تباطؤ النمو، تتوقف مشاريع الاستثمار. وهذا يضع تونس أمام دائرة صعبة كسرها: بدون نمو، لا استثمار؛ وبدون استثمار، لا نمو مستدام.

البطالة، التضخم، سعر الصرف: متغيرات حاسمة

هناك عوامل أخرى تؤثر بشدة على قرارات الاستثمار، وتبرز ثلاثة متغيرات رئيسية:

  • البطالة: بشكل مفاجئ، تظهر النتائج أن ارتفاع معدلات البطالة قد يشجع أحيانًا على الاستثمار، لأنه يدفع العديد من الشباب إلى توجّه نحو ريادة الأعمال. لكن هذه الديناميكية تظل هشة، إذ تعتمد على القدرة على تحويل هذه الرغبة إلى مشاريع قابلة للحياة.
  • التضخم: ليس مجرد عامل معيق، فالتضخم المعتدل يحفّز الاستثمار. والسبب؟ أنه غالبًا ما يكون مصحوبًا بأسعار فائدة منخفضة، مما يجعل تكلفة رأس المال أكثر يسراً للشركات. لكن إذا ارتفع التضخم بشكل مفرط، تنهار ثقة الأسر والمستثمرين.
  • سعر الصرف: له تأثير حاسم. في تونس، أدى ارتفاع سعر الصرف الحقيقي إلى زيادة في الاستثمار، مما يشير إلى أن التنافسية الخارجية تلعب دورًا رئيسيًا في توجيه رؤوس الأموال.

إعادة بناء مناخ الثقة

بعيدًا عن الأرقام، تبرز دراسة إعادة النظر في محددات الاستثمار: حالة تونس، المنشورة عام 2023 في Estudios de Economía Aplicada والمتاحة على منصة HAL Science Ouverte، استنتاجًا جوهريًا: الاستثمار يحتاج إلى الاستقرار.

ان السياسات العامة الواضحة، والمؤسسات القوية، ومكافحة الفساد بشكل موثوق، ووجود مناخ اجتماعي هادئ، كلها شروط لا غنى عنها لإرساء الثقة، سواء لدى المستثمرين المحليين أو الأجانب.

و تظهر هذه الحاجة إلى الاستقرار بوضوح عند مقارنة تونس بجيرانها في المغرب العربي. ففي عام 2017، سجلت تونس نموًا بنسبة 2% واستثمارات تعادل 19% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4.1% و33.5% في المغرب. هذا الفارق واضح ويبرز إمكانيات التحسين المتاحة.

وبالتالي، لا يكمن التحدي في الإمكانات الاقتصادية لتونس بقدر ما يكمن في الحكامة ومناخ الأعمال. فاقتصاد أكثر انفتاحًا على التجارة الدولية، مدعومًا بجودة أفضل للخدمات العامة، يمكن أن يعيد الثقة ويجذب رؤوس الأموال اللازمة لإنعاش الاقتصاد بشكل حقيقي.

الاستثمار في تونس: أكثر من مجرد أرقام

لا يعتمد الاستثمار في تونس على الأرقام فقط، بل يرتبط بالنمو الاقتصادي، وتطور معدلات البطالة والتضخم، وأهم من ذلك كله، بالاستقرار السياسي والاجتماعي. فبدون الثقة، يتردد المستثمرون في اتخاذ القرار. أما في بيئة أكثر وضوحًا وحوكمة قوية، فسوف يعودون للاستثمار.

تُظهر النتائج المقدمة أن الاستثمار مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالظروف الاقتصادية والمؤسسية للبلاد. ومن أجل تشجيع انتعاشه، يجب على تونس التركيز على الاستقرار، وتعزيز الانفتاح التجاري، ودعم النمو في القطاعات المولدة للقيمة.

ايكوتوس

الاطلاع على الدراسة

“Revisiting the Determinants of Investment: The Case of Tunisia”، المنشورة في Estudios de Economía Aplicada (2023)، والمتاحة على منصة HAL Science Ouverte، وأجراها كل من نسرين الدردوري، عبد القادر أقير، رمزي فرحاني ومنير صميدة، من جامعة سوسة

Partager cet article
Leave a Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *